القسم الثقافي  |  القسم العربي  |  القسم الكوردي |  أرسل  مقال  |   راسلنا
 

تقارير خاصة | مقالات| حوارات | اصدارات جديدة | قراءة في كتاب | مسرح |  شعر | نقد أدبي | قصة | رياضة | الفنون الجميلة | الارشيف

 

من يتصفح الآن

يوجد حاليا, 107 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

twitter


البحث



Helbest

 

 
 

مقالات: (احترامي سيدي).. إلى روح جومرد

 
الخميس 09 تشرين الاول 2014


لقمان شرف 
 
في ظهيرة يوم من صيف العام 2004 , رنّ هاتف منزلي : " مرحباً أستاذ سليمان , أنا جومرد مشو , طالب بكالوريا , أحتاج , مع أربعة من رفيقاتي , إلى دروس خصوصية في اللغة الانكليزية ... . " 
بدأت العلاقة المعتادة بين معلم و طالب . لكنه كان في نهاية كل ساعة شاقة من الدرس يشغلني بالأسئلة السياسية التي تشغل بال الكبار و كنت – لأدفعه إلى الاجتهاد في دروسه -  أردّ بلهجة صارمة  : 
  " لا زلت صغيراً على هذه الأمور . اعتني بدراستك و حسب . "


فيردد عين الجواب في كل مرة : " أستاذ , عندما أعد , فاني أفي بوعدي , لقد قلت لك , لن أدرس غير الحقوق و سوف أنال العلامات التي تخولني للدراسة في كلية الحقوق , و سترى ."  كان عنيداً معتزاً بنفسه إلى حد الكبرياء , واثقاً يدافع عن أرائه المختلفة عن رؤيتي السياسية حينها بطريقة تغيظني . 
و استطاع في فترة وجيزة إلى أن تتغير العلاقة – رغماً عني – بين معلم و طالب إلى ندّين يتناقشان أمور السياسة و الفلسفة و ... . 
في بداية العام الدراسي التالي سمعت أن جومرد قد دخل جامعة حلب – كلية الحقوق و في أول لقاء أجمعني به إحدى أزقات بلدة كركي لكي , توجّه إلي مبتسماً مفتخراً بعد أن مد يده لمصافحتي و لسان حاله يقول : 
" قد أصبت أنا و قد أخطأت أنت . " و قبل أن يودّعني , خاطبني بلهجته الواثقة عينها : 
" لك مني وعد آخر ... سأنال الإجازة في الحقوق ... و لن أتوقف عند حد ... سأتابع دراستي حتى نيل الدكتوراه ... و سترى . " ودّعته ضاحكاً . 
لم تنقطع به علاقتي قط كما لم تنقطع بيننا الاتصالات الهاتفية إلّا في فترة اعتقاله على يد الأمن السياسي في حلب اثر نشاطه بمناسبة الذكرى السنوية لانتفاضة قامشلو في 12 آذار من العام 2007 . تلك الفترة التي مرت ثقيلة عصيبة على أهله و محبيه لاسيما والده الذي علّق على ما حدث له : " إنّ عناده الشديد سيجلب لنا المشاكل . "   
تخرج جومرد من الجامعة , ثم تابع الدراسة لينال ( الدبلوم في القانون الدولي ) . لكنه كان ممنوعاً من العمل في وظائف الدولة (لأسباب أمنية ).  ما اضطر في عام 2011 إلى الهجرة إلى الشطر الآخر من الوطن , كوردستان العراق . و هناك , و كان قد نضج و بات شخصية مؤثرة و متزنة , اختار التطوع في صفوف البيشمركة . و ترقّى بعد فترة وجيزة إلى رتبة ملازم , الأمر الذي بعث فرحة غامرة في نفسي . فاتصلت به مهنئاً و على سبيل الدعابة : 
" احترامي سيّدي الضّابط . " 
فأسمعني رداً في غاية الصرامة : 
" إن لك فضلاً عليّ لن أنساه لأنك معلمي و لن أسمح لنفسي أن تدعوني بكلمة سيدي و لو على سبيل الدعابة وعليك أن (تسحبها) فوراً . " ففعلت . 
و استمرت اتصالاتنا التي تناولت مختلف القضايا الحياتية و في كل مرة أحرص ألّا أتفوه بتلك الكلمة التي استفزّته , بينما كان يطلب مني أن أتفوه (بمسباتي) التي لوحدها " تشفي غليل اشتياقي و حنيني إليك . " فأفعل . 
أما  آخر مرة أسمع فيها صوت جومرد الجهوري فقد كان قبل تاريخ 16 / 9 / بأيام قليلة فقط.  كانت جبهات القتال في محاور شنكال , خازر , دجلة ... مشتعلة . 
كان يتحدث بحزم و جدية لا تطاق –  دون أن يمنحني أي مجال للحديث و على غير عادته – ملمحاً إلى أحداث يبعث الفزع في نفسي : 
" قد يوجد من يعشق الحياة و كنوزها , أما أنا فروحي تلهف لمعشوقة أخرى ... أستاذ , أحياناً نضطر إلى اتخاذ قرارات ليس أمامنا إلا خيار واحد ... أنا ... أنا  لن أسمح للأعادي الذين يمنون النفس باجتياح هولير إلا على جثتي ... و إن كنت لا تصدق , فتذكّر وعودي السابقة . " 
جومرد , أيها العنيد الذي علمتني كيف يفي الحر بما وعد . 
أيها الطالب الذي بات معلماً لمعلمك الذي بات تلميذاً , 
ليتك تدري حجم معاناة محبيك و مدى افتخارهم . أتذكر كل وعودك , واشهد انك خير من يقترن فعله بقوله . 
يا شهيد أمتي : " سنبقى , أنا و أنت , مع فقراء الوطن خلايا شهيدة في حزن والدتك التي تحب." كما ردّدها عمر حمدي . 
 أما و قد رحلت و لم يعد هناك من يرغمني على غير ذلك , فاني أقف إجلالاً لأرفع يدي تحية لقبر الشهيد و أقولها ملئ فمي علّها ( تشفي غليل شوقي إلى  روحك الطاهر ): 
" احترامي سيدي الضابط . "    
كركي لكي 20 – 9 - 2014  

 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

تقييم المقال

المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات