القسم الثقافي  |  القسم العربي  |  القسم الكوردي |  أرسل  مقال  |   راسلنا
 

تقارير خاصة | مقالات| حوارات | اصدارات جديدة | قراءة في كتاب | مسرح |  شعر | نقد أدبي | قصة | رياضة | الفنون الجميلة | الارشيف

 

من يتصفح الآن

يوجد حاليا, 98 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

twitter


البحث



Helbest

 

 
 

مقالات: رد نقدي هاديء على الناقد السعودي الدكتور عبد الله الغذامي

 
الخميس 25 حزيران 2009


  خالص مسور

الدكتور عبد الله الغذامي ناقد أكاديمي سعودي معروف على مستوى الوطن العربي بأجمعه، يعتمد في دراساته المناهج النقدية الحداثية من شكلانية، وبنيوية، وتفكيكية (أوالتشريحية) كما يسميها هو...الخ. وبدون شك ومن خلال اطلاعي على دراسته النقدية التطبيقية لبعض قصائد الشاعر السعودي المعروف حمزة شحاتة، فلم أجده سوى ناقد امتهن التقليدية بامتياز، يجيد دوره التمثليي بشكل معقول مع إدخال القليل من إجتهاده الشخصي والذي لايسمن ولايغني من جوع. وأحب أن أنوه هنا بندرة الدراسات النقدية التطبيقية مع غزارة في الجوانب النظرية منها على مستوى العالم العربي بأسره، وهو ما يعطي الإنطباع عن مدى ضعف هذا الجانب من الدراسات التطبيقية والتركيز أكثر على الجانب النظري منها لدى النقاد العرب بشكل عام.


أي أن ما يلمسه المرء هنا هو أن الغالبية العظمى من النقاد العرب يستوردون ما يكتبونه أو يترجمونه من الغرب ما يصعب عليهم تطبيقه على أرض الواقع دون التفكير بمحاولات تطوير نقد يناسب خصوصية النص العربي، وبهذا نلمس عدم تمكن النقاد العرب من إغناء الدراسات النقدية والجانب التطبيقي منها بشكل خاص. مثلهم في هذا مثل من يصف الداء ويعجز عن المعالجة والدواء. وناقدنا عبد الله الغذامي السعودي، مع الناقد المصري صلاح فضل، والمصري من أصل فلسطيني جابر عصفور وآخرون غيرهم، يعتبرون بالإضافة إلى النقاد المغاربة المشهورين أمثال المسدي، ومحمد مفتاح، والرخاوي، وكيليطو...الخ أشهر النقاد الحداثيين المقلدين والذين يعتمدون في نقوداتهم على منهجي البنيوية والتفكيك التي تلقفوها من الغرب بدون اجتهاد وتمحيص وطبقوها ربما بعدم تمكن على النص العربي. أي أنهم أتخذوا النقد الغربي الحداثي على علاته وطبقوه على النصوص العربية دون التمعن في خصوصيات وفضاءات سيكولوجية النص الأدبي ذاته.
فهؤلاء النقاد وأمثالهم – كما قلنا- لم يستطيعوا ان يطوروا نقداً عربياً فيه من الرصانة والجدة بما يتوافق والسيمات الشعورية والإستدعاءات اللاشعورية في الفضاءات النفسية للإشارات الموحية في بنية النص العربي. وهوما يظهر جلياً من الدراسة النقدية التطبيقية للدكتورعبد الله محمد الغذامي تلك الدراسة التي أجراها على قصائد للشاعر السعودي حمزة شحاتة في كتابه النقدي الشهير(الخطيئة والتكفير). وسنشير هنا إلى جزء مما تناوله الأبيات الثلاثة الآتية التي أوردها في دراسته من قصيدة (جدة) لحمزة شحاتة  كمثال على تقليدية الناقد وليس إبداعه وبالشكل التالي يقول حمزة شحاتة في قصيدة جدة:
ورؤى الحب في رحابك شتى         يستفز الأسير منها الطليق
ومعانيك في النفوس الصديا           ت إلى ربها المنيع رحيق
إيه يا فتنة الحياة لصب                 عهده في هواك عهد وثيق
في دراسته التطبيقية لهذه السطور الشعرية يقول الدكتور الغذامي: (وفيها نلمس ثلاث نبرات عالية في كل شطر، وهذه الفنيات لم تنشأ نتيجة اختيارعقلي من الشاعر أو عن وعي منه بها..... ومن هنا يبدو بوضوح أن الشاعر لم يكن مدفوعاً بتوتراته إلى استجلاء معنى معين أو صورة معينة. بل كان مدفوعاً إلى هذا الكل الذي هو معان وصور وألفاظ موقعة، ومن هنا كان إبداع الشاعر من حيث هو شاعر إبداعاً...).
وبالفعل هناك ثلاث إشارات وضعها الناقد على كلمات السطور الشعرية في البيت الأول وفي كل شطر منه ثلاث إشارات تدل على النبر العالي، فهناك إشارات فوق أواخر كلمات/ رؤوى- في- شتى/ في الشطر الأول، ثم ثلاث أخريات فوق كلمات الشطر الثاني من نفس البيت وهي على الزاء في / يستفز/ وعلى الياء في/ الأسير/ وعلى اياء أيضاً في /الطليق/ وهكذا في بقية الأبيات لتدل هذه الإشارات – وكما قلنا- إلى (النبر العالي) المتمثل في بعض حروف البيت الواحد. وبذلك يرى الناقد أن في الشطرين الأول والثاني ثلاثة إشارات متناظرة تدل على حروف عالية النبرات. ولكني أعتقد أن الناقد هنا يتحايل على ذاته ويخدع نفسه ببساطة شديدة، حينما أهمل عمداً إشارتين صوتيتين إضافيتين وردتا في الشطر الأول من البيت الأول وهما ظاهرتان بجلاء ووضوح، والإشارتان مكان أحدهما فوق حرف الباء في كلمة /حبك/ وفوق الألف في كلمة/ رحابك/ أي ما نود قوله هو عدم تحقيق شرط التناظر بين شطري البيت الأول كما ذهب الدكتور الغذامي مثلاً. ويعتقد أن الناقد الغذامي عمد إلى إخفاء إشارتي النبرتين عن قارئه لدعم نظريته في التناظر الإشاري للأبيات، ولإثبات توفير الإنسجام الإيقاعي لها من جهة، ولإثبات إبداعية شاعره وأن الأبيات استدعيت من متخيله اللاواعي من جهة أخرى.
كما أنه وفي معرض دراسته التفكيكية لهذه الأبيات الثلاثة من قصيدة (دجلة) لحمزة شحاتة على سبيل المثال. يأتي الناقد على الجانب الإيقاعي منها ويراها تحفة فنية إيقاعية وموسيقية متناغمة مهملاً المعاني أو الإيحاءات الدلالية للأبيات تماماً، أي أنه  لايعير أدنى اهتمام بالجانب الدلالي لأبيات القصيدة الشحاتية، بإيغاله في التجريد البنيوي أكثر من اللازم، حيث ندرك أن البنيوية في نظر أصحابها كفر صراح بالمبدع، وبالرسالة، وبالمتلقي في آن واحد. ورداً على هذه التضحية بالمبدع نقول: أن الشاعر أي - شاعر- لم يأت إلينا من كوكب آخر بل هو مبدع ينقل بصورة حصرية من متخيله الشعري واللاشعوري مايراه ومايحسه ويسمعه في محيطه الإجتماعي، ويصوره نصاً فوتوغرافياً إبداعياًً لينقله إلى المتلقي الذي يتعامل مع النص بما يحدثه فيه من عواطف وشعورأيضاً. وفي هذا يقول (لوسيان غولدمان) ما معناه: (أن البنية الأدبية تعكس بنية اجتماعية دالة). ولكن ما اردت قوله هو، أن ما يكتبه الغذامي ويسطره يعطي الإنطباع عن ناقد تقليدي بامتياز أي يقلد المناهج الأوربية من بنيوية وتفكيكية ولايبدع شيئاً يستحق الذكر ويصدر أحاماً نقدية تتوفرعلى الكثير من التجني على الشعر والشاعر معاً، لأن ما نعلمه هو أن التفكيكية تضحي بالمبدع وتميته ومن ثم تدرس وتشَرح نتاجه الأدبي مضحية بالمضمون رافعة من شان الإيقاع والغموض المعقد ولاشيء آخر غيرهما. ويدعم الدكتور الغذامي رأيه في غموض الشعر ويؤكد في نفس الوقت تقليديته مستشهداً بقول من الناقد الأدبي سويفت ويقول: (وهذا الرأي من سويف يتأكد بكون الشعر بإيقاعه الإشاري الخاص، وليس بما يظهر على كلماته من معان خارجية، وأحسب هذا من الوضوح واليقين بما لايقبل زيادة تأكيد. والشعر إذاً يقوم على محور التأليف الإيقاعي وليس الدلالي وهذا هو مايميز الكلمة الشعرية ويجعلها إشارة حرة). وهو ما يعني دوماً تحبيذ الغموض الشعري المعقد كما يقول الشاعر الفرنسي مالارميه نفسه: الشعر يا صديقي دبجاً لا يصنع من أفكار وإنما من كلمات. أي الشعر هو الإيقاع والغموض وليس المعاني والدلالات، أو بلغة النقاد الجدد، لن يكون النص بما يقوله بل بكيف يقوله.
وهذا ما ذهب إليه الغذامي في تقليده الحرفي للمناهج النقدية الجديدة وعدم خروجه عن هذا الإطار ودون أن يبدع ويجتهد ما يستحق الذكر.
ولكن لمحمود درويش الشاعر الفلسطيني الأشهر في هذا رأي آخر فيقول:
أجمل الأشعار ما يحفظه عن ظهر قلب
كل قاريء...
فإذا لم يشرب أناشيدك شارب
قل، أن وحدي خاطيء..
ولتكتمل الفائدة فلو أجرينا مقارنة بين قصيدة الغموض كما في قصيدة(الأخضر) لأحد شعراء الحداثة وهي:
أنا أخضر القبور.. على زرق العصافير
ووحشة أختي
أنا الشجرة الوافرة على سجين أزرق
أنا البحيرة من يديك.. فتغرقين في الكآبة
اسمي الغياب
وفضتي الغرقى
وبين قصيدة كلاسيكية لشاعر كلاسيكي مثلاً وهو هنا الشاعر السوري عمر أبي ريشة وقصيدته (يوم الجلاء) لأدركنا مدى الإجحاف الذي يلحقه النقودات الحداثية كالتفكيكية والبنيوية مثلاً والتضحية بلذة معاني النص الشعري ودلالاته الموحية معاً وهذه أربعة أبيات من القصيدة الريشية (يوم الجلاء) وهي:
 ياعروس المجد تيهي واسحبي          في مغانينا ذيول الشهب
لن تري حفنة رمل دونها                لم تعطر بدمى حر أبي
درج البغي عليها حقبة                  وهوى دون بلوغ الأرب
لايموت الحق مهما لطمت             عارضيه قبضة المغتصب
وهنا فسواء أكنا عرب أم عجم فسوف لا نطرب البتة لا بموسيقى ولا بالمعاني الغامضة للنص الشعري الأول، بينما من المؤكد أننا نطرب أيما طرب لمعاني والإيقاعات السيمفونية المتآلفة والجمل التنغيمية اللهيفة الصادرة عن الحروف ذات النبر العالي في قصيدة أبي ريشة كما في الكلمات – تيهي- اسحبي- الشهب – أبي- وباللإضافة إلى قافيتها الشجية وحرف الروي المطلق وهو هنا الباء. حيث يزداد إحساسنا الشاعري بتضافر الإيقاع مع المعانى مما يؤدي إلى نوع من الإنتشاء والطرب لدى المتلقي. هكذا يكتمل إنتشاؤنا في حالة تضافر المعاني مع الإيقاع في العبارات الشاعرية كما في الأبيات الريشية الآنفة. فمثلاً أشعر وأنا أتأمل في معاني ودلالات أبيات أبي ريشة بالحماسة والزهو والفخار، حينما أجد المجد كعروس تختال تيهاً ودلالاً في ليلة زفافها، وأحس بالشموخ والعنفوان حينما أستوعب عبارة /في مغانينا ذيول الشهب/ مع موسيقاها اللهيفة والشجية وخاصة مع كلمة/ذيول/ بحروفها اللينة وموسيقاها الشجية العذبة.
كما ينتابني إحساس بالإباء والكبرياء وأنا أجد نفسي مع أبي ريشة مدافعاً عن الحق الذي لن يموت /مهما لطمت عارضيه قبضة المغتصب/ مع ما تدل عليه كلمة /قبضة/ من معاني العنف والقوة والصمود وهي توافق هوى في النفوس البشرية الأبية. وهذا كله ما لايمكن الحصول عليه في قصيدة (الأخضر) الأولى حيث الإفراط في المعاني والدلالات والإطتفاء بنوع من الإيقاع الضعيف. أي كل ما أريد قوله والتوصل إليه هو، يتوجب ألا تضحي النقود الحداثية بالمعانى والدلالات الشعري، وأن يتعايش اللإيقاع مع المعنى والدلالات إلى جانب كاريزماتها النقدية الأخرى، عندها ستكون اللذة أكثر والقصيدة اكثر جمالاً وإدهاشاً للمتلقي بلا ريب.

 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

تقييم المقال

المعدل: 3.33
تصويتات: 3


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات