القسم الثقافي  |  القسم العربي  |  القسم الكوردي |  أرسل  مقال  |   راسلنا
 

تقارير خاصة | مقالات| حوارات | اصدارات جديدة | قراءة في كتاب | مسرح |  شعر | نقد أدبي | قصة | رياضة | الفنون الجميلة | الارشيف

 

من يتصفح الآن

يوجد حاليا, 81 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

twitter


البحث



Helbest

 

 
 

مقالات: الشاعر شاهد عيانه لزوماً: أحمد نامي نموذجاً

 
الأربعاء 03 تشرين الاول 2012


 إبراهيم محمود

تصريح أولي
آثرت أن أعنون هذا المقال بداية هكذا( العرضحالجي: أحمد نامي نموذجاً)، لأنني تلمست في حياة الكاتب والشاعر الكردي أحمد نامي" أو ملا أحمد نامي1907-1975"، مأساة لها خصوصيتها، من خلال المكوَّن باختصار شديد عن حياته في مقدمة عمله الشعري اليتيم، حسب متابعتي له حتى الآن ( Daxwazname: كتاب القضية)، والمنشور بعد رحيله في السويد سنة1986، سواء في علاقته بكتبه التي تآكلت تحت التراب ، أو أُتلِفت بطرق أخرى، يمكن التعرف إليها أيضاً من خلال التقديم لكتابه الآخر)  Agirê sînema Amûdê: حريق سينما عامودا) المطبوع أيضاً في استوكهولم1987، وكيف أن مجمل ما نظمه من شعر، أو سواه فُقِد إلى الأبد، كما هو متردّد في وسطه الكردي،


 وكوني تلمستُ في مفردة ( العرضحالجي) تعبيراً بليغاً ومؤلماً عن وضع الشاعر الكردي وحياته معاً، حيث إنه فيما كتبه في تقديمه لعمله الشعري، لم يكن أكثر من معرّف بمأساة تتجاوز حياته الشخصية وتخص وطناً وشعباً في آن، وليس فينا أومنّا من لا يكون عرضحالجياً وفق تصور ما1.. إلا أنني تلمست- فيما بعد- في العنوان الجديد، مساراً أكثر استجابة ودقة، ليس لأن الأول في غير محله، وإنما لأنه ملتبس في أصله، وربما يثير ظنوناً، انطلاقاً من المعطى السلبي للعبارة فيما هو متداول في المأثور اليومي بيننا، وإن كنت على أتمّ يقين أن العنوان الثاني هو ذاته مناظِر الأول ويردفه بالكثير من الدلالات، فأن يكون أحدنا شاهد عيانه الخاص، وهو يتحدث عن حياته أو ما يصله بكتابة أو فن أو أثر ما، وبنوع من التلوُّع والتأسّي، يقترب من العرضحالجية، لكن هذه الحالة لم تفقِده الأملَ، وربما كان ذلك من البداهة، لأن الكتابة بالذات إشعار بحقيقة وجود، وإعلام مشدَّد على هذه الحقيقة والدفع بالذات إلى العالم الرحب، تعبيراً عن التمسك بالحياة، وخصوصاً حين يعلم الكاتب أو الشاعر هنا، أن ما يتفوه به لا يعنيه هو نفسه، فالشاعر الشاعر هو من يقيم خارج ذاته، هو من يحاول التنفس بكلّية جسده على قدر إبداعه، بقدر ما أن المتكلّم فيه يتجاوزه أو يتخطاه، بنوع من الالتزام الحِرَفي بقضية الشعب والوطن، وإلا فإن كل الذي سطَّره الشاعر أو أودعه هذا المكان أو ذاك، لا يُعتدُّ به، ولمَا كان هذا المبحث النقدي بالذات2.

وليكون الذي تركه وراءه شاملاً لما كان يعتقده مطلوباً منه، بالنسبة لمنتم ٍ إلى شعب محظور عليه تداول لغته وقراءتها مكتوبة، والاحتفاء بها في مناسبات لا تجد من يلغيها أو يتوعد القائمين عليها، حظر يشدّد عليه التاريخ، وتنفيه الجغرافيا3.
إن التعرض للشاعر من موقع كونه شاهد عيانه الخاص، هو محاولة القبض على المفاصل الحركية التي تجلوه للعيان، وإمكان تجلّيه لنا، كما لو أنه الحاضر بيننا، رغم مرور قرابة أربعة عقود زمنية على رحيله، ولعلنا، معه، أو مع سواه، نكون عبّرنا عن هذا التفاعل مع ذاكراتهم، وتمكّنا من فهم أنفسنا في هذا القاسم المشترك الأكبر فيما بيننا، على صعيد صيرورة الألم، ومأساة الكاتب الكردي، الذي يعيش قهراً متعدد الأبعاد..

الشاعر شاهد عيانه الخاص
باسمه النَّسَبي، وليس باسمه طبعاً، أي" نامي" وليس" أحمد نامي"، يظهر عمله الشعري الذي تم جمع قصائده بطرق شتى، اعتماداً على المعنيين به، ويكون العنوان إحالة إلى قصيدة وضِعَت ترتيباً في القسم الأخير من الديوان طبعاً، حيث يتنفس الشاعر الصعداء، ويتمثّل النافذ ببصره بعيداً إلى حد الأسطورة:
رأيت شعاعاً منبثقاً من دمشق
انعكس وهجه على " الجزيرة" وأرض القفقاس
بجوار البرج الأبلق كان المعنيون به
قلت إنه الحروف الخمسة من" هاوار"
لم يجد نامي ميراً بين الكرد
من أجل طبع هاوار يظهر حاذقاً
سلام مجوهر ياقوت ودر
من كرد الجزيرة مبعث هدية 4.
نامي، يحيل القول الضمني إلى قول علني، إنما يراهن على ما هو رحب المدى، معمّماً القول على نطاق جغرافي واسع، حيث تكون كردستانه، وهو يترجم ما هو قومي فيه، وما يجب أن يؤخَذ بعين الاعتبار وبحرقة..
إنها الحرقة التي يعلم بأمرها جهة الألم النافذ فيه جرَّاءها، إذ يطالب ذاته بالاقتصاد في النهاية، على طريقة كل من ملا جزيري" 1641م"، وسابقاً، وبالقرب منه جكرخوين" 1984م"، إذ يورد اسمه ليكون المخاطَب في قصيدته لاحقاً:
كفى يا نامي، إذا كثر الكلام
سيفقد قيمته حتى لو كان درَّاً..ص79.
إن ما يجدر التنبه له، هو أن من المستحيل مكاشفة قصائد المجموعة الشعرية دون مراعاة سيرته الحياتية، باعتبارها جاءت تجميعاً، وأن ترتيبها في الديوان خضع لتقديرات الذين كلَّفوا أنفسهم بإخراج الديوان كما هو، وكما هو مشار إليه في التقديم، أي كيف أن آثاراً له، جُمعت بجهود أصدقائه وقرّائه، ومن خلال ما كان منشوراً له في منابر ثقافية، وفي الصدارة صحيفة ( هاوار) البدرخانية، وبالتالي، فإن التذكير بتاريخ نشر هذه القصيدة أو تلك، داخل الديوان، وهو لا يخضع للترتيب الزمني المفترض، يُراعى من خلال القائمين على نشره ليس إلا، وهناك نصوص غفلٌ من التأريخ، ولعل ذلك يرجع إلى النصوص ذاتها باعتبارها وردت هكذا، سواء في منبر ما، إن وجِد، أو عند أشخاص معينين، ويبقى التاريخ مفيداً في هذا المجال، لحظة النظر في الجانب الاجتماعي والنفسي والشخصي كذلك، حيث يمكن القيام بمقاربة نقدية، وحتى سبر معلوماتي لذات الشاعر، عبر تحديد عمره، ونوعية الصور أو طبيعة المفردات المعتمَدة في قصيدته هذه أو تلك.
ما يمكن التفوّه هنا مثلاً، هو تنوع علاقاته مع أهل الحرف أو الأدب والكتابة، وذوي السياسة والمعنيين بقضيته، كما في حال( جلادت بدرخان- جكرخوين- أحمد نافذ- نورالدين زازا- حاجو آغا- عبدالرحمن گارسي..الخ)، وما ورد في تقديم المجموعة يعبّر عن انفتاحه أو البعد التنويري لفكره في سعيه إلى التعليم والمعرفة، كما في محاولته تعليم اللغة الكردية، وفي وقت حرج جداً، في وسطه وعلى محيطه، بالنسبة للمرأة، وليس الرجل وحده، وهذا يسجَّل اعتبارياً في تاريخه، ويوسّع في حدوده أكثر من حدود مجرد تعاطي الأدب، كما في اهتمامه بالتاريخ، بقدر ما يحثُّنا على تذكر طبيعة علاقته بمن كان فاعلاً في هذا المضمار التربوي والأدبي والمجتمعي، أي الراحل: جكرخوين، ويلمح  أو يشير سامي نامي نفسه إلى ذلك، وبصريح العبارة، حتى على صعيد تأثر الراحل به أدبياً(  أكثر من أي كان، كانت تلك الصداقة القوية والحميمة، التي قامت بين جكرخوين ونامي، والسبب هو ذلك التوافق بين الاثنين في الأفكار والمعتَقد. ص 12).
ربما يمكن تأكيد ذلك من خلال حديث كل منهما عن الآخر، كما في تهنئة نامي لجكرخوين بمناسبة صدور ديوانه الأول،  وهو( جمر وتأجج- 1945)5:
شكراً، مجدداً، شكراً أخي جكرخوين
القلوب الأسيانة اليوم تعافت كثيراً
عندما جيء بديوانك محمولاً
أخذناه، ووضعناه على العين
سنة ألف وتسعمائة وخمس وأربعين
بداية فصل الربيع بشارة صبي جميل..ص42.
وفي النهاية، وعلى طريقة جكرخوين، وقبله ملا الجزيري، يقول:
ليكن نامي قرباناً لكم
قولوها أيضاً فنانين ومفتدين.. ص 47..
حينها كان عمر الشاعر، وتبعاً لتاريخ كتابة القصيدة( 1945)، تسعاً وثلاثين سنة، ولنجد صدى هذا الود والتشارك في المشاعر والأفكار لدى الراحل جكرخوين، في ديوانه الأول، وفي قصيدة طويلة نسبياً( لأحمد نامي):
Namî , me ji nameya te zanî
Seydayî ji bo mellayê Xanî
 Xêza qelema te neqşê Çîne
Hub-ba elema te riknê dîne
 Herdem me di dil de jan û derde
Ew jane ji derdê qewmê kurde 6 .
كلمات ليست كالكلمات! بتعبير أحدهم، ولكنها كلمات كلمات، باعتبارها تأخذ بالقارئ إلى عالم قائلها الرحب، ولكنها رد الجميل بجميل مواز ٍ، جميل صداقة حياة، وصداقة مصاحبة الأدب!
كلمات!لا يعود ممكناً النظر إليها بوصفها عادية، طالما أن ثمة رغبة في تمثل ما هو شاعري وجمالي، لكنها الرغبة التي تضعنا في مواجهة الأكثر عمقاً ومأسوية، حيث يقوم الشاعر ومن يشير إليه، إنها رغبة علاقات، توسّع حدود التفاعل بين شاعرين، بقدر ما تسهم في تنوير نوعية هذه العلاقات، وخصوصاً، إن روعيت إشارة في المقدمة، هذه التي عبّرت عن حميمية العلاقة بين جكرخوين ونامي، تقرّبهما من بعضهما بعضاً بأكثر من معنى.
ولأنها ليست كلمات متفوَّه بها باعتيادية الجاري، لهذا، يسهل التوقف عندها، وتبين شاهد العيان الذاتي هذا، وتحرّي تلك الثغرات التي يمكن تبينها أو إيجادها، على صعيد التداخل في المواقف الحاسمة، بين الشاعرين.
من ذلك، ما يقرّبنا من البعد المسلَّم به كثيراً، وهو" الطبقي" عند جكرخوين، ورؤيته إلى الذين يسوسون الكرد، أو تلك التفاوتات القائمة في الوسط الكردي، حيث يكون الآغوات، والباشاوات، والإقطاع والوجهاء، وبالمقابل يكون العمال والفلاحون والأناس العاديون.. وجكرخوين قد أفصح عن ذلك كثيراً في دواوينه الأولى، ولم يتحرر من هذه النظرة ذات المردود الطبقي الإيديولوجي حتى الرمق الأخير رغم اعتباره قومي المقام.
أشير هنا، مثلاً، إلى رثاء نامي لحاجو آغا" 1880-1940"، وهي قصيدة تفيض وداً وتقديراً لشخصه:
في سنة ألف وتسعمائة وأربعين
في الثاني والعشرين من نيسان المفعَم بالورد
رفيقنا حاجو رؤوف القلب
العطوف على الفقراء والمساكين الكرد
ولاحقاً:
حاجو أنت باسم الكردايتي
في نومك الأبدي بانتظار عفو الباري.. ص66- 68
عدة أبيات مقبوسة من قصيدة طويلة لنامي في رثاء حاجو آغا، كما أسلفت، لم أستطع الاستشهاد بها دون تعريضها لمكاشفة نقدية أو للمساءلة حول طبيعة العلاقة التي كانت تقوم بين شاعرها وجكرخوين، إذ إن هذه العلاقة، وكما أُشيرَ إليها في المقدمة، ليست بتلك القوة أو المتانة أو التوافقية التي توحّد بينهما فيما هو مفصلي أو جوهري في الحياة كردياً، وتحديداً في هذا المنعطف الحياتي والفكري الحاسم، على الأقل، وأنا أشير إلى جملة المواقف التي استثارت شاعرنا جكرخوين في ( سيرة حياتي)، وفي صفحات مختلفة، مفصحاً عن جوانب شديدة السلبية، من وجهة نظره طبعاً، يظهر فيها حاجو، خلاف ما وُصِف به في قصيدة نامي7.
نامي في بنية القصيدة يظهر أكثر مرونة، وأكثر تبنياً لما هو قومي، في الأمور المجتمعية، حيث تختفي الطبقية وراء رغبة أكثر فاعلية في رسم حدود العلاقة بين أبناء الشعب الواحد، على الأقل حتى إشعار آخر، أو لأن الدعوة إلى وحدة الصف، تتطلب المزيد من ضبط النفس، ورأب الصدع القائم بين امرئ وآخر بمعناه الطبقي سالف الذكر، وفي الوقت نفسه، فإن معاينة دقيقة لهذا المُحدَّد يتطلب أكثر من قراءة ثقافية وتاريخية..
في السياق ذاته، مثلاً، يظهر أن نامي، لم يكن مبالياً، على طريقة ندّه، وخله الوفي المعتبَر: جكرخوين، بهذا التفاوت في المقامات أو المراتب الاجتماعية، ربما اعتقاداً منه، أن ثمة قوى أخرى فاعلة في الوسط أو في المحيط الاجتماعي والسياسي، تفسد مكوناتها التاريخية لحظة اللجوء إلى معيار طبقي، صراطي، ولأن ثمة ما يسلس له القياد في تصور نامي، ألا وهو الجانب التنويري أو الثقافي، أو النفوذ الذي يمكن الرهان عليه، كما في مخاطبة الشاعر للراحل نورالدين زازا" 1919-188"، بالعم، وهو الأكبر منه عمراً( الفارق بينهما ثلاثة عشر عاماً)8، ولعل الناظر في قصيدة نامي، وهي مديحية في زازا، يلحظ هذا التوقير والاحترام، حيث كان عمر زازا وقتذاك اثنين وعشرين عاماً، أي سنة 1940:
من أجل عمي نورالدين العطوف
 كل يوم ألف حاتم وكاويس قرباناً له
أكتب سلاماً بماء الورد
بشفتيَّ أقبّل به يدك..ص56
وهو وضع آخر، يندرج في سياق التفاوت القائم بين كل من جكرخوين ونامي، في الموقف مما كان يجري في مجتمعهما، أي في السياق الطبقي والمؤدلج تحديداً، وجكرخوين كان متشدداً في هذا المنحى طبعاً..
لكن المقدَّم به، لا يُقرَأ بإطلاق طبعاً، إذ إن الذي تردَّد على لسان جكرخوين، يتعلق بسيرة حياة مكتوبة، لها تاريخها الذي يؤخَذ في الحسبان، حيث إن سنة نشر قصيدة نامي، تفصح عن وضع مختلف، أي يضعنا هذا التحديد في نطاق تصور آخر، إذ حينها لا نعلم بموقف جكرخوين الفعلي من هذا الذي عُرِف لاحقاً بدقة، وحتى بالنسبة لنامي نفسه، على صعيد المستجدات التاريخية بعد أربعينيات القرن العشرين، حيث إن الذي عمَّق الخلافات" الكردية" كثيراً، يبقينا كثيراً أيضاً في سخونة مجريات ستينيات هذا القرن، إثر الاعتقال الجماعي، وكون سيرة حياة جكرخوين وضِعت فيما بعد، رغم أن المتلوَّن السياسي والطبقي المفصلي لقصائده يرتد إلى ما قبل هذا التاريخ، إنما الذي يحتكَم إليه هنا، فهو أن بقاء أفق رؤية الآخر أكثر وساعة، حيث تقبُّله يتم لا يخضع للصراطية الجكرخوينية ذات التوجه الحزبي الطبقي طبعاً، كما

أسلفت سابقاً9.
..
إن هذا المختلَف عليه، له نجاعته لو عُمّق بالمزيد من المراجعة لتاريخ عاصف: تاريخنا، حيث يتوزع فيه أولئك الذين كان لهم حضورهم، أو بصماتهم بتفاوت: ساسة، أو باسم ساسة، وشعراء وفنانين وكتاباً ...الخ.
في منحى آخر ومعايَن، ومتمَّم لما كان يشترك فيه الكثير من رجالات الكرد في الأدب والثقافة والسياسة، هو البقاء خارج السجن والملاحقة شكَّل استثناء، بأكثر من معنى، إذ يستحيل الحديث عن ممارسة أي نشاط سياسي أو ثقافي له علاقة بما هو كردي، بعيداً عن التعرض للاعتقال المتكرر، أو الملاحقة والمراقبة والتنكيل ومن ثم الإهانة كل مرة، عدا محاولة وضع اليد على خصوصيات المعتقَل، من كتب أو مخطوطات وغيرها، كنوع من الارتداع أو الترهيب والتأديب معاً، وهذا لا يقتصر على الراحل نامي فقط، إنما يبقي كل معتقل في الجانب الآخر صاحب رؤية معينة، تبعاً لنوعية موقفه مما كان يجري سياسياً وحزبياً وثقافياً..
ولعل الذي يمكن النظر فيه بالنسبة لنامي، وانطلاقاً مما تقدَّم حتى الآن، هو أنه يصلح لدراسة تميّزها كوميديا سوداء، حيث الطرافة المرَّة، والمتعلق بسيرة حياته، ووضعه الصحي، وآثاره التي فقدها، وكتبه التي تعرضت بدورها للتلف بطرق مختلفة، وتلك الإرادة في البقاء رغم كل هاتيك المحن، لتبدو الرغبة في البقاء، ومجاهدة الروح الذاتية وقد انفتحت على الخارج، أكثر فاعلية ونفاذ معنىً، من الكثير مما سمّي بالأثر الأدبي، مثلاً، كما لو أن عنف المعاناة والانشغال بالجانب الحياتي القاسي طبعاً، كانا يحولان دون الاهتمام الكافي بالكتابة والتي تتطلب المزيد من الاستقرار وضبط النفس، وليكون الشعر هو المتنفَّس الأهم، نظراً لطبيعته، أما الفنون أو أشكال الكتابة الأخرى: النثرية خاصة" نِتَف من وقائع حياتية"، فلعل الملحوظ فيها، هو إمكان تخيل كاتبها مقبِلاً بإلحاح ومسابقاً الزمن نفسه، لترْك أثر نثري، حيث تلعب الذاكرة دوراً كبيراً في ذلك، إلى جانب ندرة المصادر العلمية والدقيقة التي تمكّن الكاتب من التفرغ لمادته، ودون أن ننسى أيضاً المستوى الثقافي لكل الذين نعرفهم من شعرائنا الكلاسيين الكرد، وهذا ما يجب أن يراعى لحظة النظر في آثارهم تاريخياً، قبل كل شيء..
إن المسحة المأسوية، والتبرم بالجاري، والشكوى القائمة تلك التي تلقي بظلالها على جل كتابات شعرائنا هؤلاء، ومنهم شاعرنا، ترينا المناخ العام لهم اجتماعياً ونفسياً، والتعبير الذاتي مختلف في رد الفعل هنا، إلى درجة أنه يمكن القول أحياناً، نتيجة هذا التشارك في ذات الهموم وأوجه المعاناة، هو كيف للشاعر الكردي هذا أن يكون كسواه، في تناول ذات الموضوعات( هموم الشعب الكردي، الجوانب السياسية، الآلام والآمال، صور المجابهة مع الواقع بمعناه العريض، من قبَل الشاعر..الخ)، كما في قصيدة نامي( أيها القلب البائس والمغموم):
يا قلب، يا مسكين، انهض، إزاء آلام الشعب المغموم
ابذلوا قصارى جهودكم اليوم، كونوا أغنياء بالاقتدار..ص40
إنها لازمة توحّد ما بين شعرائنا، ولعلها تفصح عن قيمومتها حتى اللحظة لدى شعرائنا الأكثر حداثية، بغضّ النظر عن طريقة الكتابة والصور الشعرية المستحدثة، حيث القاسم المشترك الأكبر هو فعل الإحباط فيهم.
لكنه الإحباط الذي لا يُترَك لشأنه، إنما يٌرد عليه بما ينحّيه جانباً، كما لو أن قدر الكردي في هذا السياق هو أن يعيش تنوع تجارب تبقيه في الخارج دائماً، دون أن يستقر على حال، لأن الوضع يجلو ذلك.
إذ في مواجهة هذه المعاناة، يبرز الأمل، ولكنه يتجه إلى المستقبل، ويستند إلى خميرة التمني:
الأخوات والأخوة
لتكن لياليكم نهارات
ونهاراتكم أعياداً
وأعيادكم مبهجة
وسعادة وغبطة
الأخوة الأعزاء الطيّبون
بالكلمات الجميلة التالية
أهنّئكم والوطن بعيدكم..ص 32
ربما كان امتثال تصور بانورامي على هذه الشاكلة، يشكّل النّصَاب الذي يمكن أن يبلغه الشاعر الكردي حينذاك، أي كيفية ممارسة الدمج بين عنصر المؤاساة وعنصر التحفيز والإقبال على الحياة، ليكون في مقدور الشاعر، بالدرجة الأولى، الشعور بأن الذي امتهنه لم يذهب سدىً، وأنه يستحق الإصغاء إليه بجدارة.
واللافت في هذا السياق أيضاً، هو إمكان السؤال عن عدم وجود أي قصيدة منشورة في الديوان لها صلة بالحب، وهي إشارة أضيئت في المقدمة، ولكنها تبقي الباب مشرعاً للاستفسار، خصوصاً وأنه كان في تواصل مع الحياة، ومع المرأة بالذات، حيث الحب يمثّل أكثر من فعل اشتهاء لجسد الأنثى طبعاً.
ثمة ما يبرَّر له، لحظة أخذ العلْم بما تعرَّض له الشاعر من ملاحقات، وهذا ينطبق على كتبه وآثاره، ولكن الذي يبقي السؤال قائماً، وربما في انتظار جواب شافٍ، هو: هل حقاً انعدم ذلك الشخص الذي يحتفظ بأثر له في هذا المجال، أو يحفظ قصيدة أو مقطعاً منها تتعلق بالحب، أم أننا نجد أنفسنا في مواجهة وضع نفسي مختلف، كما لو أن الراحل أراد أن يحتفظ بهذا السر لنفسه، ويلقي بثقله في النطاق الذي يشار إليه بحماس أكبر؟
وما أعتبره مسهماً أكثر في إضاءة ما كتبتُ حتى الآن، هو استعادة المفردة التعريفية بالشاعر في المقدمة، أو ما يقابل الشاعر بالعربية، حيث يتراءى لنا مفهوم الناظم، أو العقد بالذات، أو النظام، وبالتسلسل:
  Ristekvan – Ristek- Rist
ذلك يحيلنا إلى علاقة الشاعر بالجاري، باعتباره يستلف من الموجود، أو يأخذ مما هو متوافر في وسطه أو بيئته مما يلزمه، لجعل نصه أو قصيدته في هيئة عقد، وهو الحال في العربية، إنما يكون للشاعر منحىً آخر، أي خارج سياج الناظم الأكثر ارتباطاً بما هو قائم. إنما ذلك لا يبعدنا عما هو مستساغ في الكردية، ومن الناحية الجمالية، أو تحسين مقام المفردة، حيث تبرز القصيدة في مقام العقد الذي يزيّن العنق، ويبعث على الرغبة فيه.
وفي الآن عينه، يضفي على المصاغ شعرياً دافعية بقاء، وتجلٍّ لمن يريد النظر فيه، والاستمتاع به.
كما لو أن الشاعر يعمل بيديه، ليضاعف في قارئه دافع الفضول والانجذاب إليه، ولكنهما اليدان اللامرئيَّتان: يدا الشعر المتخيلتان، حيث العقد نفسه يكون كلمات ٍ تستميل الآخرين إلى سماعها أو الحفاظ عليها..
وفي العودة إلى ذات العنوان( الشاعر شاهد عيانه الخاص)، ثمة ما يشفع لنا، وهو أن ما أمكَن تلمسُه في الأمثلة الشعرية، أو جملة قصائد الديوان، وتلك الإشارات المتعلق بقائمة شخصياته، وحتى فيما يتعلق بأثره الهام جداً، وهو ( حريق سينما عامودا)، يقرّبنا من الشاعر، كما أنه يرّغبنا في المزيد من المقاربة، وانتظار ما هو مأمول، وهو ظهور نصوص، أو آثار، تفيدنا في إنارة جوانب تاريخية وثقافية واجتماعية، نحن بأمس الحاجة إليها، كلما ووجهنا بما يشغلنا حتى الآن، وهو أننا لما نزل شعب الذاكرة، قياساً إلى الجاري تداوله كتابياً هنا وهناك..
وأجدني في النهاية مستعيداً ما استرسل فيه بقلبه المدمَّى، وهو ينتظر من يبشره بما عمل من أجله، وما تلاه:
( لهذا السبب، أردت أن تكون قائمة سطوري المكتوبة مؤازرة لي، وتبيّض صفحتي، أمام شعبي، لأن ثمة من سيتهمني بالجبن أو انعدام النفع. لكنني على يقين أن ما تفوَّهت به لكم، سَيفي بالغرض، وسيبرّئ ساحتي.ص11).
ربما هو درس آخر في تاريخ شخصي، ولكنه قائم في جغرافيا جمعية، تُعلِمنا، أو تكاد تعلِمنا أن ثمة تاريخاً يمكن الإصغاء إليه من الداخل، كرمى تاريخ آخر، أكثر مِهنيَّة باسمه ومسمَّاه، وكون هؤلاء الذين نتعرض لهم كتاباً أو شعراء أو سواهم كردياً، ينتمون إلى تاريخ ينتظر تدويناً، بقدر ما يشغلون فيه مواقع مختلفة، ولأن ثمة الكثير في انتظار التسمية والتنسيب التاريخيين..!
========
إشارات
1-ديوانه الشعري( كتاب القضية) صدر في السويد، من منشورات" اليوم الجديد"، وحفلت بأخطاء، أشار إليها سامي أحمد نامي" ابن الراحل" في تقديمه للديوان في طبعته الثانية والمنقحة، عدا عن إضاءات لجوانب من حياة والده" ص:12-20"، وحيث أعتمد على هذه الطبعة، وكذلك فإن كتابه السّيَري المديني الخاص( حريق سينما عامودا)، قد صدر عن دار النشر ذاتها، وثمة إضاءات أخرى لجوانب من حياة الراحل، في تقديم الكاتب" بافي نازي" للكتاب" ص: 7-10"..
2- في تقديمه لديوانه المطبوع بعد حياته"ص11" يقول، بعد التحسر على حياة أمضاها مصارِعاً آلاماً وأوجاعاً، وتخوفاً من أن يُوارى الثرى وتدفَن معه آماله، يستدرك مباشرة، كما لو أنه يسترجع عقْده الضمني مع الأمل الملهِم له( أنا متأمل أن فتىً كردياً، يوم يتحرر الوطن، سييمّم صوب قبري، زافّاً إلي البُشرى، لكي أستطيع النوم براحة بعدها في قبري ذاك.). رغم أنه كان يتحسر على أمر آخر، وهو إمكان رؤية أثر له مطبوعاً، كما نقرأ في تقديم ابنه" سامي" له( ليت ذلك اليوم يقبِل، وأرى كتاباتي مطبوعة، متداولة بين شعبه بشبابه وشاباته، في كل مكان وموضع..ص17).
3- أشير هنا، إلى ما يمكن اعتباره الظاهرة عند العديد من شعرائنا الكرد الكلاسيين، حيث يقيمون علاقة وثيقة جداً، بين إقبالهم على كتابة الشعر، وسعيهم إلى وضع قواعد اللغة" لغتهم الكردية"، وكذلك قاموساً لها، إيماناً وجدانياً منهم، قبل كل شيء، أن ذلك يمثّل نوعاً من الدفاع الحميم عنها، بالنسبة لشعب يتواصل بالذاكرة، وكأن وضع القاموس ائتمان على الحياة ووديعة شاهد عيان على أمة، ومواجهة للموت ومن يعادله من أعداء الكرد وخصومهم، كما في حال  كل من ( جكرخوين- ملا أحمد نامي- ملا أحمد بالو- ملا عبدالله رشيد....الخ)..
4- الإشارة هنا، إلى المير الكردي ذي الصيت جلادت بدرخان1893-1951"، حيث كان يصدر مجلة" هاوار" من قلب دمشق، ويفصح عن جانبها الإشعاعي وامتداد تأثيرها إلى خارج الجزيرة" السوري" إلى أبعد مدى، بقدر ما يتأسف لانعدام نظير له في مجال خدمة الثقافة الكردية على أكثر من صعيد..
5- كما ورد ذلك على غلاف الطبعة الأولى(PIRÎSK Û PÊTÎ )، حيث جاء العنون لاحقاً هكذا(   Agir û pê t)، أي ( نار وجمر).
6- إنها عبارة عن أبيات مقبوسة من قصيدته الطويلة نسبياً، ويمكن وضع ترجمة تقريبية لها هكذا:
يا نامي، عرفناك من كتابك
سيدا أنت كما تمنَّى ملا خاني
خط قلمك نقشٌ صيني
مدار ألمك أساس الدين
ألم وتوجع في القلب دائماً
إنه روح من وجع الكرد
7- أشير هنا، إلى جكرخوين، في مذكراته( سيرة حياتي) الطبعة العربية، وفي أكثر من نقطة، كما في،ص:45-49،122-124،184-189،226-227، 293...الخ..إنها مواقف تمثّل لوحة بانورامية مشكلَّة وفق رؤية جكرخوينية، تحتاج إلى مقاربة تاريخية واجتماعية وسياسية وثقافية مقارنة أيضاً، وكون الكتاب نشِر بعد رحيله..
8- إن بنية قصيدة نامي، تتشكل من خلال تقدير الشاعر لأهل العلم، قبل كل شيء، وهذه بداهة، كما أعتقد، إن نُظِر في تاريخ نامي، وكما هو مقرَّر في علامات فارقة في مقدمة( كتاب القضية)، أو( حريق سينما عامودا)، وكيف أنه بذل قصارى جهده، لجعل العلم في متناول أولئك الذين كانوا يتعطشون إليه من بني جلدته، وفي الجانب الآخر، وهو الأهم، وإن كان يكمّل الأول، يظهر الشاعر شديد التركيز على التعلم وما يترتب عليه، وفي مجتمع لا تنتشر فيه الأمية فقط، وإنما ينتشر فيه أولئك المعادون للعلم الفعلي، من المعنيين بأمور الدين كردياً، كما كان موقف الذين خاصموه في القرية التي أقام فيها زمناً، أي" تل شعير"، وفي هذا المنعطف الخطر يلتقي مع ندّه وحليفه الحياتي بأكثر من معنى: جكرخوين.
9- أقول ذلك، رغم وجود إشارات تفصح عن العلاقات استمرت قوية، وملحوظة في عمقها، من خلال إشارات شاعرنا الكبير جكرخوين إلى الراحل نامي، في مذكراته( سيرة حياتي)، حيث ينظَر حول ذلك في أكثر من صفحة، بصدد فترة الاعتقالات المشتركة ذات الصلة بستينيات القرن الماضي( 316-319-346..)..

 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

تقييم المقال

المعدل: 5
تصويتات: 4


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات