القسم الثقافي  |  القسم العربي  |  القسم الكوردي |  أرسل  مقال  |   راسلنا
 

تقارير خاصة | مقالات| حوارات | اصدارات جديدة | قراءة في كتاب | مسرح |  شعر | نقد أدبي | قصة | رياضة | الفنون الجميلة | الارشيف

 

من يتصفح الآن

يوجد حاليا, 116 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

twitter


البحث



Helbest

 

 
 

قراءة في كتاب: الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم.. هل جاءت التوراة من جزيرة العرب؟

 
الجمعة 30 ايار 2008


  نظرية كمال الصليبي في ميزان الحقائق التاريخية والآثارية
تأليف: المفكر السوري فراس السواح

عرض وتقديم: خالص مسور

قد نشهد من خلال صفحات هذا العرض للكتاب سجالاً تاريخياً شيقاً، بين فراس السواح الباحث السوري الشهير في الميثولوجيا وتاريخ الديانات الشرقية، وبين المؤرخ الدكتور كمال الصليبي، وما ورد في كتابه المثير للجدل والموسوم بـ(التوراة جاءت من جزيرة العرب). والخلاف الرئيسي بين الطرفين يدورحول شيئين هما، تحديد موقع ومسرح الأحداث التوراتية، والآخر هو مدى مصداقية الحدث التوراتي برمته.


يبدأ الكتاب بمقدمة، يبدي فيها مؤلفه فراس السواح، استغرابه من الهجوم المضاد على الإتجاه الجديد المتحرر من اللاهوت التوراتي، من قبل مؤرخ عربي هو الدكتور كمال الصليبي، وليس من أية جهة رصينة في الغرب، ويقول: لقد أدرك الدكتور الصليبي أن الدفاع عن تاريخية التوراة وفق المعطيات العلمية الراهنة هو مسألة خاسرة، فقام بالتفافة بارعة على المشكلة برمتها، ونقل مسرح الحدث التوراتي في فلسطين الى منطقة غرب شبه الجزيرة العربية، وبذلك تمت حماية المرويات التوراتية من أية مقارنة جدية مع وقائع علم الآثار وعلم التاريخ، لأن المنطقة الجديدة للتوراة مجهولة تماماً من الناحية التاريخية والإركيولوجية، حيث لم يضرب فيها المنقبون حتى الآن معولاً واحداً.
مدخل:
أطروحات كمال الصليبي ونتائجها
يورد المؤلف فراس السواح، ما قاله الدكتور كمال الصليبي حول فكرته الجديدة عن مسرح الحدث التوراتي بالقول: (فبينما كان يبحث عن أسماء الأماكن ذات الأصول غير العربية مصادفة، في غرب شبه الجزيرة العربية فوجيء، بوجود أرض التوراة كلها هناك، وذلك في منطقة بطول يصل إلى 600 كيلو متر ورعرض يبلغ حوالي 200 كيلو متر، وتشمل ماهو اليوم عسير والجزء الجنوبي من الحجاز).  
إذاً فاليهودية برأي الصليبي - وبكل بساطة- لم تولد في فلسطين بل في غرب شبه الجزيرة العربية، ومسار بني إسرائيل  كما روي في التوراة، كان هناك، في غرب شبه الجزيرة العربية وليس في مكان آخر.
ويتسائل الصليبي متشككاً: ((هل كان حقا في أي مكان، ملك- كاهن معاصر لابراهيم يدعى (ملكي صادق)..؟ ....هذا مايعتقده اليهود والمسيحيون بناء على قراءتهم المغلوطة للتوراة. ويتابع الصليبي القول: ولكن ملكي في هذا الإطار، ليست لفظة ملك بمعنى (الملكِ) مضافة الى ضمير المتكلم، بل هي جمع ملك صيغة تقليص للفظ الملوك بمعنى (لقمة أو ملء الفم) وهي اشتقاق من من جذر فعلي وارد في العربية دون العبرية هو لك (ألك) أي علكَ أو مضغَ، ومن مشتقات هذا الجذر بالعبرية عبارة (ألوك صدق) أي ما يؤكل وهو الطعام وهكذا يصبح المعنى الصحيح لنص التكوين 14:18 كما يلي: (وملك شلم أخرج ألوك صدق) أي طعاماًخبزاً وخمراً، وكان كاهناً لـ ء ل عليون.)). 15.
وهنا يرى السواح أن دراسة الصليبي تقلب الأمور رأـسا على عقب، وبدلاً من أخذ جغرافية التوراة العبرية كمسلمة ومناقشة صحتها التاريخية، فإنه يأخذ تاريخيتها كمسلمة ويناقش جغرافيتها. وتضع نظريته تاريخ منطقة الشرق القديم على أرض مهتزة لاقرار لها. لأنه يرى أن السجلات التاريخية للمنطقة قد قرئت حتى الآن بشكل مغلوط تماماً، وأجبرت على اعطاء مؤشرات جغرافية وتاريخية تتوافق مع الاحكام المسبقة الصنع لدى الباحثين التوراتيين. وبذلك يسقط الصليبي الجهود المضنية لكل الباحثين لعلماء اللغات القديمة التي بذلت خلال أكثر من قرن ونصف، بكل دقة ودأب المناهج العلمية الحديثة.
ففي حالة مدينة(صور) مثلاً (23) الوارد ذكرها مرارا في التوراة يصل الصليبي الى نتيجة مفادها: أن صور التوراتية ليست هي صور الفينيقية الواقعة على الساحل السوري، بل هي الواحة المسماة اليوم (زور) أو(زور الوادعة) في منطقة نجران، أما سفن صور التي تروي عنها التوراة كانت في الحقيقة قوافل حيوانات محملة لا سفن تمخرعباب البحر. وفي رده هنا يقول السواح: أن سفر حزقيال 26 عن صور يدحض ما جاء به ابن الصليبي تماماً فقد جاء فيه مايلي: (كيف بدت يا معمورة من البحار، المدينة الشهيرة التي كانت قوية في البحر، هي وسكانها الذين أوقعوا رعبهم على جميع جيرانهم).  ثم ياتي السواح إلى ذكر مملكة الإسرائيليين التي انقسمت بعد موت سليمان الى مملكتي اسرائيل في الشمال وتبعتها عشرة أسباط، ومملكة يهوذا في الجنوب وتبعتها سبط واحد، بالإضافة الى سبط يهوذا نفسها.
ولكن رغم ذلك نقول: أن الوجود السياسي للإسرائيليين لم يدم أكثر من ثلاثة قرون ونصف في ارض كنعان، حيث قضى عليهم البابليون والآشوريون ونقلوهم إلى بابل. وتعتبر التوراة مأثرتهم الوحيدة والتي لايمكن فهمها الا في السياق العام للحضارة الكنعانية، واعتبارها منجزاً من انجازاتها، وعلى يد فئة لم تزد عن كونها فئة كنعانية في شتى مناحي حياتها وثقافتها.32. ثم يدخل المؤلف السواح في هذا الباب، في سجلات الفراعنة والإنتصارات التي حققها ملوكهم.
وفي باب سجلات مصر الفرعونية
يقول السواح لم يأت كمال الصليبي على ذكر تحوتمس الثالث (1490- 1436) ق.م. الذي غزا بجنده فلسطين ووصل الى(ياهيم) التي حدد الباحثون موقعها عند الطرف الجنوبي لجبل الكرمل، وهناك يعقد الفرعون اجتماعاً لجيشه شارحاً لهم الوضع العسكري بقوله: (لقد دخل جيش قادش العدو اللئيم الى مدينة مجدو، وهناك جمع إليه أمراء كل البلاد الأجنبية التي كانت موالية لمصر. وكذلك نهارين وميتاني من حوريين وكوديين، بأحصنتهم وجيوشهم ورجالهم، وقد قرر العدو أن ينتظر في مجدو، ليقاتل صاحب الجلالة. فهلا أفضيتم إلي برأيكم؟). ولكن يحدد الدكتور الصليبي أماكن بعض المواقع المذكورة في التوراة في غرب الجزيرة العربية، ومنها أن (غزة) هي (آل عزة) القرية  الجبلية الواقعة في أواسط سلسلة جبل السراة،  و(ميتاني) هي وادي ميتان في منطقة الطائف، و(مجدو) هي (مقدي) في منطقة القنفذة. ولكن ما نعلمه يقول السواح: هو أن تحوتمس الثالث قد حارب في قادش جمعاً أو حلفاً من الممالك السورية في باد الشام، وليس في شبه الجزيرة العربية، وقد تمكن علماء الآثار من اكتشاف مدينة قادش ونصوصها وهي تأتي على ذكر الحوريين، والميتانيين، والكوديين، أما الحوريون، والميتانيون هم من الشعوب الهندو اوربية، تسربت إلى بلاد الشام والجزيرة العليا منذ أوائل الالف الثاني قبل الميلاد، ومعظم معلوماتنا عن ميتاني مستمدة من وثائق نوزي الميتانية قرب كركوك الحالية، أما الكوديون فهم سكان كيليكيا في شمال غربي سورية.
وفي باب سجلات وادي الرافدين 77
يشير السواح في هذا الباب الى السومريين، ويقول: أنهم أول من أسس لمجتمع المدينة في تاريخ الحضارة، ثم بدأت حركاتهم التوسعية باتجاه مناطق بلاد الشام، ويذكر ملكهم لوكال زاغيزي السومري، وصارغون الأكادي ملك كيش، وصلواته أمام الاله (داجان) وحكمه لأقاليم إيبلا، وماري، ووصوله الى جبل الارز جبل الأمانوس، وظهور نارام سين وفتوحاته، وأخيراً يذكر السواح ظهورالجوتيين، والكاشيين، وقيام حمورابي البابلي وتوحيده بلاد الرافدين، ثم بداية ضعف الدولة البابلية والحملات المنظمة التي شنها فراعنة مصر ضد بلادالشام، واصطدامهم مع الميتانيين حتى قيام الدولة الآشورية.
كما ويشير السواح إلى سجلات الملك الآشوري تغلات فلاصر الأول الذي يقول: (تنفيذاً لأوامر إلهي آشورفقد قهرت البلدان الواقعة بين الزاب الأدنى والبحر الأعلى الذي في الغرب.....مضيت إلى لبنان، حيث قطعت أخشاب الأرز لبناء معبد (آنو وحدد)....83.
وهنا يقول السواح ثانية: هذه الحملة المبكرة لايمكن باي حال من الأحوال أن تكون موجهة ضد غرب شيه الجزية العربية، ولبنان الذي ذكره الملك هو لبنان بلاد الشام الذي يجلب منه الأرز، لا لبنان شمال اليمن كما ذهب الدكتور الصليبي.
ويستشهد السواح في موضع آخر بنص آشوري آخر حيث يذكر الملك (آشور ناصربال الثاني) مايلي: (غادرت بلاد بيت عديني، وعبرت الفرات في ذروة فيضانه على قوارب مصنوعة من الجلود الى كركميش، حيث تلقيت جزية ملك الحثيين....). فهنا نرى الجيش الآشوري يبدأ حملته على بلاد الشام، بخلاف ما يدعيه ابن الصليبي، من أن الفرات المذكور هو وادي (أضم) في شبه الجزبرة العربية، والذي ينبع من مرتفعات الطائف، ويسير نحو البحر الاحمر. ويقول: أن اسمه القديم لايزال قائما في قرية (فرت) الواقعة قرب ضفافه. 88
وفي محاولة مستميتة لدحض علاقة التوراة بفلسطين، يورد السواح في بحث بئر السبع والبحث جيرار. قول الدكتور الصليبي الذي يقول: (... وفي حالة بارزة هي حالة بئر السبع الفلسطينية، فإن بلدة يظهر اسمها ببروز في الرووايات الآبائية لسفر التكوين، وبالتالي يفترض أن تعود أصولها إلى أواخر العصر البرونزي على الأقل، لم يعثر فيها إلا على مواد أثرية تعود بتاريخها إلى المرحلة الرومانية على أبعد حد. وقد اضطر علماء الآثار في السنين الخيرة، إلى التنقيب على بعد خمسة كيلو مترات تقريبا عن بئر السبع، للعثور على مواد أثرية يعود عهدها إلى زمن التوراة، دون أن يعثروا على أي برهان قاطع، بأن لهذه المواد أقل علاقة بالتوراة، أو بتاريخ بني اسرائيل)  135.  ويرد السواح على هذا الكلام بالقول: بأن بئر السبع لم يكن أبداً من المواقع التوراتية البارزة، ولم يرتبط بأي حدث توراتي هام. ففي سفر ايشوع -15-28 الذي يصف الاستلاء على أرض كنعان، يأتي ذكر الموقع عرضاً في جملة ما أعطي لسبط يهوذا. وفي سفر القضاة وصموئيل الأول والثاني، يذكر الموقع باعتباره الحد الجنوبي لأرض الاسرائيليين. أما قول الصليبي (بأن المننقبين لم يعثروا في الموقع إلا على مواد أثرية تعود بتاريخها الى المرحلة الرومانية على أبعد حد، مما اضطرهم الى التنقيب على بعد خمسة كيلو مترات من الموقع للعثور على مواد ترجع في تاريخها الى زمن التوراة). يرد عليه السواح بالقول: بأن مايعرفه أي مطلع على علم الآثار، هو أن المواقع القديمة كثيراً ما تغير مكانها بمرور الايام، نتيجة هجرانها وإعادة بنائها بعد فترة انقطاع قد تدوم بضعة عقود أو بضعة قرون، كما إنه لايمكن التمييز هنا، بين ماهو اسرائيلي وما هو كنعاني الا اعتمادا على تاريخ المادة المكتشفة..  
والموقع الآخر الذي يعتمد عليه الصليبي في نظريته التوراتية، هو موقع مدينة (جرار) حيث يقول:(قبل بداية البرهان على مدى الدقة في مطابقة جغرافيا التوراة العبرية لجغرافيا غرب شبه الجزيرة العربية، لابد من إيراد الدليل على مدى الضعف في مطابقة تلك الجغرافيا لجغرافية فلسطين. وهذا يتضح تماما من النظر في الطريقة التي عالج فيها علماء التوراة حتى الآن مسألة جرار، وهي بلدة توراتية يفترض أنها ازدهرت في القدم في جوار غزة بساحل فلسطين، في موقع غير بعيد عن بئر السبع، والتي انجلت عن عدم وجود أي مكان هناك يحمل هذا الاسم). 138 
 وهنا يظهر الرجل تخبط العلماء التوراتيين في محاولة العثور على جرار، ليحاول إيجادها في أحد مواقع أربعة، في مرتفعات عسير بين (آل زيدان) صيدون و(آل عزة) (غزة) وهي (غُرار، والجرار، وغِرار، والقرارة). ويقول السواح في رده على ذلك بالقول: في الحقيقة لم تكن جرار موقعا هاماً في أخبار التوراة، ولم يرد لها ذكر في سجلات مصر ووادي الرافدين. وقد أوردت اسفار التوراة أخباراً قليلة عنه.
وفي بحثه (أورشليم) حاضرة كنعان يؤكد السواح، مدى الترابط بين التوراة وفلسطين فيقول: في عصر البرونز الأخير في أوربا، وفيما بين القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد، تم تحديث المدينة الكنعانية أورشليم(القدس) باستعمال تقنية انشائية جديدة، حيث أقيمت على المنحدر الشرقي للتل مصاطب متدرجة بنيت من أحجار ضخمة، استخدمت كمساحات مستقرة لبناء البيوت الجديدة....وإن اكتشاف هذه التقنية الإنشائية في أورشليم، قد ساعد على فهم كلمة وردت في التوراة واختلف الدارسون والمترجمون في فهمها، وهي كلمة(ملو) العبرية التي تعني الملء أو التكميل. ورغم وضوح النص التوراتي الذي يجعل من الملو منشاة تقع داخل أورشليم، فإن الصليبي، في حديثه عن أورشليم ومدينة داود، يجعل من الملو إسماً لموقع في عسير هو(الهامل) في مرتفعات(رجال ألمع) والتي هي (حصن صهيون) المختلف عن أورشليم. ويقول السواح أيضاً، أما معبد سليمان فموقعه مؤكد، وقد بني خارج المدينة اليبوسية الكنعانية(أورشليم) على التل الاوسط، ثم تم وصل سور المعبد بسور المدينة،......وقد استطاعت التنقيبات الأثرية تحديد خط السور الإضافي، وأمكن إرجاع تاريخ بنائه الى النصف الثاني من القرن العاشر قبل الميلاد، أي الى فترة حكم داود وسليمان تحديداً.
ويتابع السواح في هذا الشأن القول: بأن الرواية التوراتية تتطابق حول موقع المعبد مع نتائج التنقيب الأثري، فالموقع تم اختياره وتحديده خارج المدينة من قبل الملك داود. 148. وفي بحثه مجدو والمدن الملكية يذهب السواح: إلى أن (مجدو) هذه المدينة الكنعانية المغرقة في القدم، والتي وقع عندها الكثير من الأحداث التوراتية، لم يشر إليها الصليبي إلافي مقطعين اثنين مقتضبين لا أثر فيهما لأية معلومات إركيولوجية، فيقول في أولهما: مجدو هذه بالذات، الواردة في رسائل تل العمارنة، هي(مقدي) الحالية في منطقة القنفذة) في جبال العسير. وفي الثاني يأتي على ذكر مجدو عرضاً من خلال التعرض لموقع لخيش فيقول) لخيش ليست بالتاكيد تل الدويرالفلسطينية، وترابط المكان مع مدن جبعون، ومجدو، وحبرون، وعجلون، والتي هي اليوم آل جبعان، ومقدي، والخربان، وعجلان، في منطقة القنفذة أيضاً وجوارها العام، يشير بشكل مميز الى ان لخيش هي (آل قياس) أوقياسة، أو (بني قيس) في الجوار ذاته). 170 هكذا يمضي الصليبي في مناقشته حول بقية المدن الفلسطينية، مثل حاصور، وجازر، وبيت شان، وبيت شمس، وشكيم...الخ ويضعها جميعاً في مناطق مرتفعات عسير في شبه الجزيلرة العربية تحديداً.
ثم ينتقل بنا السواح في كتابه القيم (الحدث التوراتي) إلى باب بعنوان:
علم الآثار وتاريخية التوراة 193.
حيث يورد في هذا الباب الهام ما ذكره الصليبي بقوله:( وفي الدراسة الراهنة، ستقلب الأمور رأساً على عقب. وبدلاً من أخذ جغرافية التوراة كمسلمة، ومناقشة صحتها التاريخية، سآخذ تاريخيتها كمسلمة وأناقش جغرافيتها....) والسواح يرد على ذلك بالقول: (وفي الحقيقة، فإنه ومنذ ظهور النقد المنهجي للتوراة، اعتباراً من مطلع القرن الثامن عشر، لم تقم مدرسة واحدة على القبول المطلق للرواية التاريخية، باعتبارها تاريخاً حقيقياً غير خاضع للمنماقشة والنقد، نستثني من ذلك الاتجاه اللاهوتي الذي يؤمن بأن الكتاب في صيغته الحالية، هو كلمة الإله الموحاة الى الأنبياء). والتسليم بهذا الشكل بتاريخية التوراة عند كمال الصليبي، هو نتيجة منطقية لنقله جغرافة التورات ومسرح أحداثها الى غرب العربية، حيث نفتقد أي محك موضوعي يمكن اختبار روايات التوراة إزاءه، نظراً لعدم وجود تنقيبات كافية جرت هناك حتى الآن). ثم ينتقل السواح الى الباب الثالث بعنوان البنية النصية من كتاب التوراة 213. يناقش فيه الدكتور الصليبي فقرة فقرة:
1- يقول الصليبي أن هناك نصا عبرياً واحداً لكتاب التوراة تسلسل بشكله الثابت منذ القرن الخامس قبل الميلاد الى القرن العاشر الميلادي. ولكن الحقيقة هي إن دراسات وثائق البحر الميت قد أثبتت وجود عدة نصوص للتوراة العبرية.
2- يقول صليبي: إن التوراة العبرية قد ترجمت بكاملها إلى اللغة الآرامية خلال المرحلة الاخمينية (559 ق.م)، وإلى اليونانية في المرحلة الهلينية، ولكن الحقيقة أن ترجمة التوراة إلى الآرامية الشرقية قد تمت بعد الميلاد، كما تمت الترجمة المعروفة بالبشيطة الى السريانية في نفس الفترة، أي خلال القرنين الثاني والخامس الميلاديين.
3- يرى الصليبي أن اللغة العبرية قد خرجت عن إطار الاستعمال العام بعد القرن السادس أو الخامس، وملتت كلغة محكية، بينما الحقيقة أن خروج اللغة العبرية عن إطار الاستعمال العام، والذي لايعود قطعا الى هذا الوقت المبكر، لايعني موت اللغة لأنها بقيت لغة مقدسة تستخدم في العبادات والطقوس وقراءة اسفار التوراة.
4- ويرى الصليبي أيضاً، أن أول تحريك (ادخال الحركات) للنص العبري الساكن، قد اكتمل على يد المسوريين (التقليديين) بين القرنين التاسع والعاشر الميلاديين، بعد مضي أكثر من ألف عام على موت اللغة العبرية، بينما الحقيقة هي أن النص العبري المتحرك فعلا اكتمل في القرن العاشر على يد المسوريين أنفسهم، بينما النص الساكن فقد تم تحريكه بصورة غير مباشرة في وقت مبكر، مثلاً أن كلمة (كتب) العربية، إذا وردت هكذا بدون تحريك، ولكن كان إلى جابها الكلمة الانكليزية (Wrote)- فانها تعني كتبَ لا كُتُب.
وهكذا رأينا، بينما يقر الدكتور الصليبي بوجود نسخة وحيدة للتوراة، يقر السواح بوجود نسخ مختلفة للتوراة، وإلى أن كل ترجمات التوراة إلى اللغات الحديثة، ترجع الى النص المسوري الذي اكمل العلماء المسوريون تنقيطه في تاريخ لايتجاوز العاشر الميلادي. وللمقارنة بين نصوص التوراة المختلفة، يورد السواح ثلاثة نصوص، أحدها لقمران، والثاني للسبعونية، والثالث للتقليدية المسورية، وسنكتفي هنا بإراد مثال واحد لكل من النصوص الثلاثة.
قمران:  فمكثت المراة وارضعت ابنها حتى فطمته، واصعدته معها الى (شيلوة)، مع عجل ذي ثلاث سنين، وخبزاً، وإيفة دقيق، وزق خمر. ودخلت بيت الرب في شيلوة ومعهم الصبي.
السبعونية: فمكثت المرأة وارضعت ابنها حتى فطمته، وصعدت معه الى (سلوام) مع عجل ذي ثلاث سنين، وخبزا، وايفة دقيق، وزق خمر. ودخلت بيت الرب في سيلوم ومعهم الصبي.
التقليدي المسوري: فمكثت المرأة وارضعت ابنها حتى فطمته، ثم حين فطمته أصعدته معها بثلاث ثيران، وإيفة دقيق، وزق خمر، وأتت به الى الرب في شيلوة والصبي صغير.  219
وفي مسالة نهر الأردن، يقول الدكتور الصليبي: الأردن (هـ - يردن) لم يكن في التوراة العبرية نهرا....بل تشير (عبر هـ - يردن) يمكن أن تشير الكلمة إلى أي جزء من جروف جبال العسير، بل الى أراضي عسير الداخلية، تفريقا لها عن عسير الساحلية، والتي كانت أرض يهوذا الاسرائيلية. ولكن السواح وتوضيحا لرأيه المخالف بأن الأردن هو نهر، يستشهد بسفر الملوك الثاني 6:1-6 دعماً لرأيه حيث ورد فيه: ( وقال بنو الأنبياء لإليشع، هوذا الموضع الذي نحن مقيمون فيه أمامك، ضيق علينا. فلنذهب إلى الأردن، ونأخذ من هناك كل واحد خشبة، ونعمل لانفسنا هناك موضعا لنقيم فيه. فقال اذهبوا....وإذ كان واحد يقطع خشبة، وقع الحديد في الماء، ....فقال رجل الله اين سقط؟ فأراه الموضع، فقطع عوداً وألقاه هناك فطفا الحديد...) 226. فكلمة طفا الحديد تدل دلالة قاطعة، على وجود مصدر مائي لا على جبال العسير!.
وفي باب الخروج ومسالة مصر، يتعرف الصليبي على جبل حوريب بالاستعانة بالقران الكريم فيقول: إن القران الكريم حيثما تكلم عن الآباء العبريين، أو عن اسرائيل، أو عن الانبياء اليهود، أشار إلى عدد من الأماكن التي هي من الاسماء المعروفة في غرب شبه الجزيرة العربية.....وحتى الآن جرى اليحث عن جبل حوريب التوراتي في سيناء، فلم يعثر عليه بهذا الإسم، ولكن القران يقول لنا بكل دقة اين هوحوريب، فهو مرتفع جبلي في المنطقة البحرية من عسير، ويسمى اليوم جبل هادي. وعلى سفح جبل هادي هناك قرية مازالت تدعى حتى اليوم (الطوا) وهو الوادي المقدس طوى المذكور في القران الكريم. ولكن السواح يرد بأن الصليبي في استشهاده بالقران الكريم قد قدم نصف الحقيقة فقط، لأن جبل الطور الذي بالوادي المقدس طوى، يقع في سيناء على ما تذكره آيات أخرى، وهو ما يتطابق مع الرواية التوراتية عن مكان جبل حوريب، (وطور سينين وهذا البلد الامين) سورة التين. وفي سورة المؤمنين (وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين).
وفي الباب المعنون بـأرض كنعان يقول الصليي: إن أرض كنعان  التوراتية تقع في غرب شبه الجزيرة العربية وليس في فلسطين.....فهناك قرية تسمى (آل كنعان) وتعني حرفيا (إله كنعان) تقع في وادي بيشة عبر الشق المائي في منطقة المجادرة في جبال العسير. ويقول السواح إن الصليبي ينقل هنا عن هيرودوت بحرية كبيرة، ذلك أن المؤرخ الإغريي لم يقل إن الفينيقيين قد أتوا من غرب العربية، بل قال إنهم جاؤوا من شواطيء بحر اريتيريا وهي التسمية الإغريقية للبحر الاحمر، دون أن يرحج الجانب العربي من هذا البحر.
وفي باب يهوذا وإسرائيل، يقول الصليبي: (والواضح أن يهوذا كان اسماً جغرافياً قبل أن يصبح اسما لقبيلة من بني اسرائيل....وموطناً لبني اسرائيل على وجه العموم، وليس لقبيلة يهوذا وحدها، وكانت تضم المنحدرات البحرية لعسير وجنوب الحجاز حتى مرتفعات الطائف). لكن السواح يشير إلى ذلك بالقول: في الحقيقة إن هذه الاطروحة لا تجد لها سنداً من نصوص التوراة، والكتاب لم يشر في أي موضع من أسفاره تلميحا او تصريحا، الى منطقة اسمها يهوذا كانت موطنا لبني اسرائيل. وقد حدد سفر ايشوع 15 بدقة المدن والقرى التي كانت نظريا من نصيب سبط بنيامين مملكة يهوذا مثل: (فيصئيل، وعيدر، وياجور، وقينة، وديمونة، وعدعدة، وقادش، وحاصور، ويثنان...الخ.) وهي جميعها في فلسطين اليوم.
وحول فئة الكهنة(كهنيم) يقول السواح أن الدكتورالصليبي يرى بأنه: يجب ألا يؤخذ هذا الإسم على إنه صيغة الجمع لكلمة (كهن) أو كاهن بالعبرية، بل على إنه جمع لـ(كهني) منسوبة الى كهن، كاسم مكان يجده في (قهوان) بمنطقة جيزان. أما اللاويون أو (لويم) فيرى فيه الصليبي، جمع لوي نسبة الى (لو) أو لوة، وأن هؤلاء لم يكونوا لاويين، بل كانوا مجتمعا يعود في أصله إلى ماهو اليوم قرية (لاوه) في وادي الضيم في غربي شبه الجزيرة العربية. أما السواح فيرى، بأن قهوان كاسم مكان بمنطقة جيزان لم يرد في أي موضع من اسفار التوراة، ولم ترتبط بأية حادثة توراتية. كما لم يرد في التوراة أي موقع باسم (لوه). أما (لاوي) فاسم علم معروف وهو لاوي بن يعقوب رأس سبط اللاويين، وقد أوكلت إليهم الشؤون الدينية المقدسة وتابوت العهد. وأخيراً يأتي السواح في كتابه، الى بلاد (آرام) ويقول 277 : لانعرف بالتحديد تاريخ الهجرة المفترضة لهؤلاء الآراميين إلى منطقة الهلال الخصيب...ولعلهم كانوا هنا منذ أقدم الازمنة، يعيشون حياة البداوة والتنقل. ولعل أقدم وثيقة ورد فيها ذكر آرام، هي نقش أكادي يعود الى أواخر الألف الثالث قبل الميلاد، تتحدث عن انتصار الملك نارام سين على (خرشا متكي) وهو شيخ آرامي، وبعد ذلك ورد اسم آرام في وثيقة من فترة اور الثالثة (2050- 1950 ق.م)، دون عليها اسم (آرامي) إشارة الى مدينة أو اقليم، ووثيقة اخرى من الفترة نفسها، ورد فيها آرام كاسم علم لشخص يدعى آرام.
وفي باب بلاد العرب، يأتي السواح على ذكر معركة (قرقرة) القرن التاسع قبل الميلاد، وقد شاركت القبائل العربية في حلف قرقرة ضد الملك الاشوري شالمنصر الثالث، حيث قدم زعيمهم جنديبو العربي الى المعركة فرقة كاملة من الهجانة كاملة العتاد والتسلح. ويتابع القول: أن كمال الصليبي، ينفي أن تكون الكلمة الاشورية (أريبي) التي وصف بها جنديبو العربي في النص، هي النسبة الى عرب، ويرجح أن تكون نسبة الى موقع في عسير يدعى اليوم(عربة) أو عرابة، ثم يجد لجنديبو نفسه أثراً اسمياً مازال قائما اليوم في قبيلة اسمها (بنو جندب) تعيش في اواسط عسير. ولكن السواح يرى ان النصوص الاشورية اللاحقة التي ورد فيها ذكر العرب وبلاد العرب، والتي لم يشراليها الصليلبي، توضح بما لايدع مجالاً للشك، بأن الكلمة الاشورية (أريبي) هي نسبة الى العرب، وأن هؤلاء شعب كبير متنوع في تقسيماته القبلية ومتوزع في أنحاء الجزيرة العربية.
اما عن دخولهم بلاد الشام وعبور الاردن الى ارض كنعان، فإن نتائج التنقيب الأثري تشير إلى بطلان الرواية التوراتية في كثير من أحداثها. فالمقاومة المسلحة التي واجهها الإسرائيليون من قبل ملوك شرقي الأردن لا أساس لها من الصحة، لأن منطقة شرقي الأردن كانت خالية من المراكز الحضرية بين القرنين السابع عشر والثامن عشر قبل الميلاد، أما الإقتحام الصاعق للأراضي الكنعانية عبر الأردن وتدمير وإحراق مدنها الرئيسية، فلم تقم عليه بينة تاريخية حتى الآن، أما البينة الآثارية فتؤكد عدم صحة جزء لابأس به من الفتوحات المعزوة إلى يوشع بن نون، قائد قوات الغزو الإسرائيلي. وفيما يتعلق بتدمير أريحا فإن سفر يشوع يعطي وصفاً درامياً حياً عن اقتحام المدينة وتدميرها، علماً أن مدينة أريحا وحسب المصادر الأركيولوجية كانت قد هجرت ولم تكن قائمة عندما دخل الإسرائيليون إلى فلسطين.
ومن المؤكد أن السيطرة القصيرة للإسرائيليين في مملكتي السامرة ويهوذا، لم تكن إلا سيطرة سياسية لاتعكس بالضرورة تفوقاً عددياً. والبرهان على هذه المقولة يأتي من علم الآثار الذي لم يستطع أن يكتشف أية دلائل تشير إلى دحول فلسطين، خلال الجزء الأخير من القرن الثالث عشر قبل الميلاد، من قبل جماعات كبيرة العدد ذات طابع ثقافي متميز
وفي الباب الاخير من الكتاب بعنوان (بلاد مؤاب ونقش ميشع). يحل السواح رموز نقش ميشع ملك مؤاب وفيها ذكر ى انتصاره على بني اسرائيل، بعدما كان الملك الاسرائيلي (عمري) قد احتل مؤاب وأذلها، وحيث يرى السواح مؤاب في الأردن، بيمنما الصليبي يضعها في مرتفعات الطائف المشرفة على وادي الضيم في العسير.  وفي آخر صفحات الكتاب خرائط كمال الصليبي التوضيحية حول نظريته التاريخية هذه.

 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

تقييم المقال

المعدل: 2
تصويتات: 1


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات