القسم الثقافي  |  القسم العربي  |  القسم الكوردي |  أرسل  مقال  |   راسلنا
 

تقارير خاصة | مقالات| حوارات | اصدارات جديدة | قراءة في كتاب | مسرح |  شعر | نقد أدبي | قصة | رياضة | الفنون الجميلة | الارشيف

 

من يتصفح الآن

يوجد حاليا, 71 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

twitter


البحث



Helbest

 

 
 

آسيا خليل الشاعرة التي تتألق سريعا

 
الأثنين 25 شباط 2008


رضوان يوسف إسماعيل

    عندما يصدر الشعر عن تجربة حياتية و شعورية صادقة و تتوفر عند الشاعر موهبة تتميز بخصوصية و فرادة يكون له غواية و يكتب له النجاح و هذا ينطبق على الشاعرة آسيا الحاج خليل التي اختبرت الحياة و عانت و هي في مقتبل العمر فصاغت من آلامها شعرا :
أبي أخذ يدي من بين القضبان وقبّلها
أذابت دموعه يدي ، فبكيتُ  ..
بكيتُ دمعه النقي كقلب نبي

بكيت زجاج قلبي الذي طحنته
رحى الغدر ورائحة السجون
ما زال دمعه يرطب كفي كلما
استلني الحنين مني
وألقى بي على قارعة غيابه


     أب مفجوع ينحني ليقبل يدي ابنته المسجونة و هذا أقصى ما يتوصل إليه بسبب القضبان لحظة حرجة جدا تذكرها الشاعرة , وأن يقترن هذا الأسى في الذاكرة بفقد الأب فيما بعد فهذا أصعب , و للتعبير عن هذه اللحظة الصعبة و أمثالها تنجح الشاعرة آسيا خليل غالبا فتمطرنا بشلال من الصور الفنية فانظر على سبيل المثال في الأسطر المقتطفة إلى " أذابت دموعه يدي , دمعه النقي كما قلب نبي , بكيت زجاج قلبي ....قارعة غيابه". إن الشاعرة جمعت بين صور من لغتها الأم (الكردية) و صور من إبداعها ، و قد تصوغ الصورة بشكل جديد فيه انزياح جميل معبّر فمن المتداول في الكردية أن نقول مثلا بكاؤه أذابني لكنها جعلت الدموع تذيب يدها . و الصورة الأخرى "زجاج قلبي" أخذتها أو جاءتها عفو الخاطر من ثقافتها الكردية لكنها لم تأخذها ببساطتها بل طوعتها و وظفتها للحديث عن تجربة خاصة و جددت فيها فهذه الصورة ترد أصلا في شعر الغزل الكردي لتفيد تحطم قلب المحب العاشق لكن الشاعرة بكت زجاج قلبها , و الزجاج لم يتحطم أو ينكسر بل "طحنته رحى الغدر و رائحة السجون " و هكذا تضيف للصورة خصوصية و تميزا .
     أما التشكيل الزمني عندها رائع فهي تتحدث بصيغة الماضي " أخذ , قبّلها , أذابت , بكيت..." و تعيدنا إلى الحاضر و تؤكد استمرارية المشاعر " مازال , يرطب " " كلما استلني الحنين مني ..."  وتتداخل الأزمنة لتشكيل مزيج من الشعور الذي يتجاوز الزمان العادي , و تتداخل الأماكن كذلك " من بين القضبان ... السجون ... قارعة غيابه "و تضافر الزمان و المكان يفعم النص بالحيوية .
  
    و لكن قد تغيب الصور بهذا الكم و الكثافة في قصائد أخرى القصيدة لكن لا تفتقد الطرافة بل تشدك و تجذبك  و إن غابت الصور فأنت على الأقل تقرأ تجربتها ببساطة فهي مثلا تحاور أمها في :

رسالة من تحت الأرض

1
اطمئني يا أمي  ..
لدينا في أعلى الجدار
نافذة صغيرة
لا تقلقي .. فالنافذة مفتوحة
وأقسم يا أمي 
لم يغلقوها
ليتسنى لنا رؤية  
ثلوج كانون
بأم عيننا
أرأيت يا أمي
       .......... ؟ !

2
ويا أمي لماذا تشترين
لي حذاءً ضيقاً ؟
وأنت تعرفين أن قدمي
الصغيرتين
قابلتان للتمدد
 - بحسب علوم الهراوات -
ضِعفي حجمهما !!!

3
ليس لأن المكان هنا 
رطب وقذر
وليس لأن الماء مثلج
والصابون عملة نادرة
ولكن لأن شَعري
أغواه القمل
شَعري الطويل
يا أمي ..
شعري الطويل
قد ...
قصـ .. صته .. 

4
أيتها الطرقات الطويلة
ما الذي يردعني الآن عن
امتطاء صهوة مسافاتك
في أمسيات الصيف
سوى .. خلاخيل الحديد

5
يا طرقات المدينة
 أتفتقدين خطوتي ؟
أم أنك لا تميزين بين
الأقدام التي تفقأ عينيك ...
والأقدام التي تلثمك ؟!!

6
الطريق كان طويلاً
يا صاحبي
وكنت تواً تعلمتُ
الوقوف
الطريق مازال طويلاً
يا صاحبي
لكنني أتقنُ الوقوف .

       قد لا نلحظ التمازج أو التعايش بين الحالة الشعورية و التجربة الإبداعية بقوة الأسطر التي تحدثت فيها عن أبيها , و ربما هذا يعود إلى الوضع الذي يصعب فيه الكتابة بروية فالعنوان " رسالة من تحت الأرض " يوحي بأن الرسالة من أقبية السجن و يجب أن تكون موجزة و قصيرة و صغيرة لإخفائها و إرسالها بأساليب يعرفها من عانوا تجربة السجن , إلا أنها استطاعت من خلال جزئيات رسم لوحة كاملة فيها تنوع , و قد انتقلت من عالم السجن إلى فضاء الحرية باستدعاء الطريق , و برغم الحزن استطاعت الشاعرة أن تكون قوية فالأسى ممزوج عندها بالسخرية في حديثها عن نافذة السجن الصغيرة و علوم الهراوة التي تغير مقاييس الأرجل و "خلاخيل الحديد" و ندرة الصابون ...  و أحيانا يظهر ألمها كما في إعادة كلمة " أمي" التي تذكر بالطفولة و كأنها تردد الكلمة لأنها تفتقد أمها و كذلك يبدو حزنها على شعرها فتكرر " شعري الطويل " وقد قدمت المسوغات و بأسف و حسرة اختتمت القول بأنها قصّته , و قد اعتمدت على أسلوب شكلي و هو التقطيع و كأن الشاعرة قد غصت بالبكاء عندما قالت : "قص..  صته .. " لكنها لا تستسلم , و  تبدو أقوى في النهاية ؛ فقد خلصت من تجربتها المؤلمة إلى نتيجة " الوقوف " بإتقان . و هي واقعية في رسم الطريق الذي يرمز إلى تلك التجربة  .
    و يبقى السجن صعبا , و في الوقت نفسه فرصة للإبداع , كما عند هدبة بن خشرم و أبي فراس الحمداني الذي أبدع أجمل شعره في سجن خرشنة و المعتمد بن عباد ....قديما , لكن لشعر السجون حاضرا اختلاف , وأن يكون من أنثى فله اختلاف أيضا ... و للحديث بقية  

 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

تقييم المقال

المعدل: 3.85
تصويتات: 7


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات