القسم الثقافي  |  القسم العربي  |  القسم الكوردي |  أرسل  مقال  |   راسلنا
 

تقارير خاصة | مقالات| حوارات | اصدارات جديدة | قراءة في كتاب | مسرح |  شعر | نقد أدبي | قصة | رياضة | الفنون الجميلة | الارشيف

 

من يتصفح الآن

يوجد حاليا, 84 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

twitter


البحث



Helbest

 

 
 

مقالات: تجربتي مع الأدب... رسالتي وغايتي

 
الأثنين 08 تشرين الثاني 2021


خليل جابو

إذا كنت تعتبر نفسك أنك الكاتب الوحيد أو الشاعر الوحيد، فالقِ بنفسك من الشرفة فوراً. إذا كنت تعتبر نفسك من النخبة الممتازة وتجد أحداً من الكتّاب أو الشعراء من الجيل الشاب سيئاً أكمل طريقك إلى الشرفة ولا تتردد في أن ترمي بنفسك إلى الشارع لينتهي الكون من عقليتك التي تكدّس الغبار فوقها. تلك العقلية التي لا يخترقها لا إزميل ولا يفجّرها برميل.
الأدب هو أحد أشكال التعبير الإنساني عن مجمل عواطفه وأفكاره ومشاعره وأحاسيسه، وبغض النظر عن خلفية هذا الإنسان يجب أن نحترم تلك الأفكار والمشاعر رغماً عنا، لأن الأدب ليس فقط شكل من أشكال التعبير الإنساني عن ما يدور في داخله من أحاسيس، بل هو في الدرجة الأولى يسمى «أدب»، يجب أن نلتزم باحترام هذه الكلمة من كل جوانبها، ليس فقط في الأعمال الملموسة، بل وغير الملموسة أيضاً. أن نعطي الاحترام لكل عمل بغض النظر عن جودته، فدرجات الثقافة تتفاوت مثلها مثل أي شيء آخر في الحياة.


لحظة قدومي إلى الدنمارك قررت أن أقرأ ما تمكن لي من الأدب الدنماركي كي أستطيع أن أقترب بشكل كبير من هذا المجتمع. كانت أولى محطاتي في عالم الأدب الدنماركي هي رواية «هدم» للكاتب «توم كريستنسن». وقبل أن أقرأ أي رواية من عادتي أن أجمع أكبر كم ممكن من المعلومات الشخصية عن الكاتب وعن الكتاب الذي سأقرأه. اتضح لي أن رواية هدم طبعت أول مرة في عشرينيات القرن الماضي. في ذاك الوقت واجهت الرواية معارضة كبيرة من الوسط الثقافي والاجتماعي واعتبرت من أسوأ الروايات التي صدرت حينها. لكن فيما بعد أصبحت إحدى الروايات المشهورة في الدول الإسكندنافية إلى يومنا هذا، وترجمت إلى لغات عدة.

وكلنا يعرف الكاتب الدنماركي الشهير هانس كريستين أندرسن صاحب قصة «بائعة الكبريت»، وأغلبنا يعرف أنه كان يتعرض لسخط مدير مدرسته الابتدائية واصفاً كتاباته الأولى بأنها لا تصلح إلا لسلة المهملات، وحين وفاته جلس عند نعشه ملك الدنمارك وولي عهده والوزراء، وترجمت أعماله إلى أكثر من مئة وخمسين لغة، وغيرهم الكثير من الكتّاب والشعراء والفنانين والموسيقيين الذي تعرضوا لانتقادات شديدة في بدايات رحلاتهم إلى هذا العالم الجميل والأنيق.

يقول سليم بركات: «في كل كتاب هناك جملة مفيدة، وأنا أبحث عن تلك الجملة». في حياة كل كاتب أو شاعر مهما كانت مكانته في عالم الأدب لديه كتابات تستحق الانحناء لها احتراماً وتقديراً، وأعمال تمر علينا مرور الكرام. بالنسبة لي ليس مهماً شكل العمل لأي شخص من الجيل الصاعد، بل المهم أن أعطيه خبرتي قدر المستطاع كي يتوخى الحذر، ومن المعيب أن نقول عن عالم الأدب أو الوضع الثقافي لأي جيل أو أي خلفية أنها سيئة، ومن المعيب أكثر أن يصدر هذا الكلام من كاتب أو شاعر أو ناقد كبير، بل يجب أن نحترم العالم هذا وننتقد باحترام.

بدأت العمل في مجال النشر والتوزيع أول مرة سنة 2006م مع دار «نوبلس» للطباعة في بيروت، كنت وكيلهم المعتمد في حلب أنذاك. بعدها بعام انتقلت من مجال النشر والتوزيع إلى كتابة النصوص والخواطر في جريدة الجماهير الخاصة لمحافظة حلب، حين نشرت أول نص لي ركضت مسرعاً إلى المقهى الذي كنت أتردد إليه في ساحة سعد الله الجابري، لكي أضع الجريدة أمام أصدقائي الكتّاب مفتخراً بهذا الانجاز، لكن للأسف بعد قراءتهم للنص بدأوا بسيل الانتقادات اللاذعة علي ووضعوا النص في خانة «صف حكي»، كما قالوا حينها. شعرت بالإحباط، وقررت أن أخفي الجريدة داخل ملابسي كي لا يشاهدها أحد، كما لو كنت مرتكباً جريمة ما.

بعد مرور عام تقريباً من نشر ذاك النص، جلست في نفس المقهى بجانب أربعة شبّان، كان صوتهم عالياً لدرجة جعلتني أتمكن من سماع حديثهم بشكل ملحوظ، قال أحدهم: «منذ سنة أتى لي نص لشخص اسمه خليل جابو ونشرناه في الجريدة فوراً بعد التدقيق، كان نصاً ممتعاً جداً، ولم يعد ذاك الشاب للنشر مرة أخرى للأسف»، حينها لم أتردد لاقتحام طاولتهم لأعرّفهم عن نفسي، والشخص الذي تكلم عن النص كان محرر الصفحة الثقافية حينها، وللأسف لم تسعفني ذاكرتي لأتذكر اسمه، ومن بعدها بدأت أهطل بنصوصي وخواطري على الجريدة كل أسبوع، استمر هذا الهطول لمدة عامين إلى أن غادرت حلب سنة 2008م، ولم أعد للكتابة حتى سنة 2015م حين قررت الانتقال من عالم النصوص إلى عالم الروايات، وبين تلك الأعوام كنت أكتب بعض الأحيان بعض الخواطر فقط وأحتفظ بها لنفسي. سنة 2015م بدأت بكتابة روايتي الأولى «السعادة مهنة شاقة»، في بدايات حياتي في الدنمارك. حين بدأت بكتابة الرواية قررت أن أضع برنامجاً خاصاً للكتابة والقراءة، لكي أستطيع أن أصل للصورة التي أرغب في الرواية، وبما أن الكتابة بدون القراءة تصبح الكلمات يتيمة وتحتاج لحضن، وقعت في فخ من أين سأحصل على الكتب لأشحن نفسي كل يوم قدر المستطاع؟

توجد في المكاتب العامة بعض الكتب العربية، لكنها لم تساعدني لقلتها، ولا أحبذ القراءة الإلكترونية لأنني لا أشعر بمتعة الحبر على الورق ولا ألمس ما خطّه الكاتب، فجائتني فكرة العودة للعمل مع دار نشر، حينها سيصبح من السهل الحصول على الكتب، وبدأت برحلة التوزيع والنشر من حينها، ببطء. تواصلت مع أغلب دور النشر في الشرق الأوسط، ولا أنكر الفشل في إقناعهم في البدايات، لكن فيما بعد بدأ دولاب الحظ يدور بسرعة، وأصبح لديّ أكثر من خمسمائة عميل بشكل دوري أرسل لهم الكتب بعد أن اتفقت مع دُور نشر عديدة للعمل معهم في مجال النشر والتوزيع.

منذَ سنة 2015م إلى اليوم قمت بنشر أكثر من أربعين عملاً، وفي عام 2021م تحديداً إلى شهر تشرين الثاني قمت بتوزيع أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة كتاب في أنحاء الدنمارك فقط، أما في أنحاء أوروبا تجاوزت السبعة آلاف كتاب خلال أحد عشر شهراً. أول شيء أقوم به حين أستيقظ أفتح صندوق الرسائل الواردة، لكي أقوم بالرد على العملاء، وأرسل لهم الكتب، هناك عملاء يدفعون لي كل شهر مرة، وهناك عملاء يشترون الكتب مني على دفعات تكفيهم لأشهر عدة، والآن أصبح لدي فريق عمل مؤلف من مدققين ومترجمين وموزعين في عدة بلدان عربية وأوروبية، في كل شهر أتجاوز الخمسة آلاف دولار من عمليات تحويل الأموال، كل هذا النشاط فقط كي لا أجعل أي شخص يحتاج كتاباً كما كنت أبحث عن الكتاب في بداية قدومي إلى الدنمارك. حين قررت العمل في مجال التوزيع سألت نفسي سؤالاً كان من حقي لعدم معرفتي بالوضع هنا، والسؤال هو: هل سأجد أحداً يشتري كتاباً هنا؟

قلت في نفسي: وإن لم يكن هناك أحد، يكفي أن أحاول. لكن فيما بعد تفاجأت حين رأيت هذا النشاط في أوروبا من أبناء الجيل الصاعد. بعض الأيام لا أجد الوقت لكي أخرج الكتب المطلوبة من المستودع، والآن لديّ عملاء أزورهم ويزوروني، ندعو بعضنا البعض إلى الرحلات، نتكلم كما لو أننا نعرف بعضنا منذُ أعوام طويلة. الأمر لا يحتاج إلى أكثر من أن تنظر إلى الأمور باحترام وصدق، وهذا ما فعلت. بدأت طريقي واضعاً أمامي جملة واحدة فقط، وهي: «لا أريد الكسب الوفير، تكفيني بعض القروش القليلة»، فقط كي أشعر أنني أعمل. واحترمت العميل لدرجة أني كنت أحمل الكتب إليهم بنفسي إن كان ذلك ممكناً، والكثير منهم سيقرأ هذا المقال ويشهد بذلك، وجميع العملاء حصلوا مني على كتاب واحد على الأقل هدية.

هناك جيل صاعد بين الشباب ممتلئين بالوعي والحكمة بشكل جعلني أفتح فمي مندهشاً، هناك شباب وفتيات تكلمت معهم جعلوني أستمع إليهم بشوق ولهفة وهم يتكلمون، هناك جيل يريد أن يثبت نفسه رغم نرجسية بعض المشهورين وتحطيم أحلامهم. جيل يريد أن يرسم طريقه بالحب... بالصدق... بالاحترام، رأيت الكثير منهم في زياراتي لهم، ولن أترك هذا المجال إلى آخر يوم في عمري، لأنني حين أقوم بإرسال أي كتاب لأي عميل كما لو أنني أحمل بيدي شيئاً مقدساً. 

رسالتي هذه موجهة خصوصاً لبعض الناس من الطبقة المثقفة القديمة التي أثبتت فشلها على مر الزمان ونجحوا في صعودهم من خلال الاستناد على أشخاص من حزب ينتمون إليه أو أشياء أخرى لا أريد التكلم عنها هنا. لا تنظر إلى الجيل هذا بعين صغيرة، انفض غبار الحقد عن عينك وامتلئ بالمحبة والصدق والاحترام، وانظر إلى هذا الجيل، صدقني ستصيبك الدهشة مثلما حصل معي.

يقول ممدوح عدوان في كتابه «جنون آخر»: «أعتقد أن الموهبة لا تشكل إلا جزءاً يسيراً من مستلزمات الكاتب، والباقي هو شغل ومراجعة واستذكار، وهذا ينطوي أساساً على الشعور بمسؤولية الكتابة، وهي مسؤولية الكاتب تجاه نفسه أولاً، وبعدها أمام القارئ». وأضيف أنا على مستلزمات الكاتب أن يوجه بوصلة البشر إلى الطريق الصحيح في عالم الأدب، أن يمنحه كل ما يلزم من نصائح ودلالات تضعه في المكان الصحيح.

عزيزي الكاتب، عزيزتي الكاتبة، أعزائي المثقفين والمثقفات، ليس بالضرورة إن صعدت المنابر أن لا تنظر للأسفل، إلغاء النظر في اتجاه معين معناه غباء، وليس كثرة ترجمة أعمالك إلى لغات أخرى بمساعدة بعض أصدقاءك في أحزاب سياسية تنتمون إليها معناه أن أعمالك عظيمة وعليك أن تنسى النظر إلى الجيل الصاعد، وكما قلت في البداية، حين تريد القول أن الوضع الثقافي سيء، لا تتردد في أن ترمي نفسك من الشرفة قبل أن يرميك الأدب إلى أقرب حاوية.
فليس مهماً إن كانت اللغة اختراع أم إعجاز، المهم أن نختار كلماتنا بأناقة وحب واحترام.

وَيل لكل مثقف يتكلم بسلبية عن أي شخص أصغر منه. وَيل لكل مثقف يجد نفسه في خانة العظمة ولا أحد غيره يستطيع الوصول إليه. وَيل لكل مثقف يحاور البشر بنرجسية مريضة. وَيل لكل مثقف لا يحترم الصغير قبل الكبير. وَيل لكل مثقف يصعد المنابر كي يحصل على الصور ليزداد شهرة وهو لا يستحق أن يقف على عتبة باب الأدب. وَيل لكل المثقفين الذين يظنون أنفسهم أن الأدب بدونهم لا قيمة له.

طوبى لجميع المثقفين الذين يحترمون البشر بجميع أصنافهم وألوانهم وأشكالهم. طوبى لجميع المثقفين الذين يرسلون رسالتهم الأدبية إلى الناس مغلفة بالحب والصدق. طوبى لجميع المثقفين الذين يكونوا صادقين مع أنفسهم قبل أن يتكلموا مع الناس. طوبى للقرّاء، للكتّاب، للشعراء، للفنّانين، لكل شخص يضيف للأدب شيئاً بكل احترام وتواضع وصدق. طوبى للأحق والأكفأ في هذا العالم الأنيق، وطوبى خاصة للجيل الصاعد.

 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

تقييم المقال

المعدل: 3
تصويتات: 4


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات