القسم العربي |  القسم الثقافي   القسم الكوردي أرسل مقال

تقارير خاصة | ملفات خاصة |مقالات | حوارات | اخبار | بيانات | صحافة حزبية | نعي ومواساة | الارشيف

 

عدد زوار القسم العربي

يوجد حاليا / 145 / زائر يتصفحون الموقع

بحث



القسم الثقافي
























 

 
 

مقالات: هل كان للكرد أدباء وفلاسفة قبل الإسلام - الجزء الرابع عشر

 
الأثنين 12 حزيران 2017


د. محمود عباس

  لا شك مهمتنا ليست محاكمة المذنبين والمسؤولين عن الفقدان، أو الذين دمروا الأثار الأدبية، لأنها حدثت نتيجة لجهالتهم، وخاصة بالحيز الثقافي، بل غاية هذا العمل موجه لعدة جوانب منها:
1- إلقاء الضوء على بعض المفكرين والأدباء وفلاسفة الكرد ما قبل الإسلام، وخاصة في فترة الحضارة الساسانية، أو الذين يحتمل أن يكونوا كردا أو من الأقليات الكردية وظهرت بأسماء مختلفة، كالبارسيين أو الميتانيين أو الميديين أو الساسانيين، أو الذين كانوا في حضن جغرافية كردستان ويتبعون أديان مختلفة اعتنقها الكرد.
2- إعادة التذكير بما ورد في صفحات بعض المؤرخين المسلمين عن الأدباء والفلاسفة والمراكز الثقافية من مدارس ومعابد وكنائس، وغيرها، والتي كانت الركيزة الثقافية الأساسية التي قامت عليها حضارة شعوب جغرافية كردستان قبل غزوات القبائل العربية الإسلامية.


3- محاولة لتبيان الطرق التي تمت بها الضياع، والفترات التي فقدت فيها أنتاج أولئك الأدباء والفلاسفة والمفكرين، ولمعرفة الدروب التي يجب الاهتداء بها والتقاط ما لا يزال موجودا في مكان ما، وإنقاذ ما لم يطاله الاندثار والدمار. وقد تكون تلك الآثار في مدن كردستان التي كان سكانها ينعمون بالتطور الاجتماعي الثقافي الحضاري، ودمرت عمرانيا ومعها ثقافياً، من قبل القبائل العربية الجاهلة. أو ربما بعضها حفظت في مكاتب مدن الحضارات التي كانت مجاورة للحضارة الساسانية، وكانت تتعامل معها، كالحضارتين اليونانية والهندية، مثلما تبينت في مصادر أوردناها سابقا، ومنها بعثة فلاسفة وطلاب من المدرسة الرواقية اليونانية إلى مدرسة كندي سابور.
4- تحفيز المؤرخين الكرد على التقصي والتنقيب في كل الدروب المحتملة وجود مثل هذه الآثار الثقافية.
5- دحض المنتقدين وناكري الخلفية الثقافية والتاريخية العريقة للشعب الكردي، وتاريخه ما قبل الإسلام، وإنكارهم انتماء الحضارات السومرية والميتانية والحورية والميدية والساسانية للشعب الكردي أو للأقليات التي كانت جزء من الأمة الكردية، أو الشعب الذي كان يحتضن كل هذه الأقليات وانتهى بهم المقام ليستقروا على الحاضنة الكردية الشاملة.
6- دحض جدلية ضعف الأمة الكردية وإنكار إسهاماتها في تكوين عدة دول وممالك غير كردية، كالخلافة العباسية، وإنقاذ الوجود الإسلامي في الشرق، وغيرها في المجالات الثقافية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك على خلفية عدم وجود كيان كردستاني شامل مستقل وعلى مر التاريخ منذ مجيء الإسلام. 
7- التنبيه على أنه رغم عدم إقامة الكرد لكيان كردستاني سياسي مستقل، لكن إسهاماتهم في جميع المجالات وفي معظم دول الشرق الأوسط، تتجاوز سوية مجرد إقامة كردستان مستقلة. فمثلما هذه الإسهامات ممتدة في عمق التاريخ، فهي متشعبة في جسد جميع الكيانات السياسية المتشكلة منذ نهايات الخلافة الأموية وحتى الجارية حاليا والمحتلة لكردستان. فهو شعب لم يقم كردستانه، لكنه كان ولا يزال جزء رئيس في تكوين جميع الدول المحتلة لكردستان، بل وساهموا في بعض الدول المجاورة.
   ولبلوغ هذه الغايات لا بد من البدء بالبحث في أحضان المدن الكردستانية، لأن معظمها كانت تحتضن مدارس ومعابد وكنائس، وفيهم كانت تدور حركة ثقافية على سوية عالية من الرقي الحضاري، علماً باننا نعلم من التاريخ بأنها لم تنجوا من التدمير، حتى تلك التي دخلتها القبائل العربية الجاهلة بدون حروب، مثل آمد، وشنكال، والرقة، والرها، ونصيبين والمدن الكردستانية الأخرى، وذكر في العديد من المصادر، أنه تمت اللقاءات والحوارات بين رجال المعابد ونساطرة الكنائس وبين قادة الجيوش الإسلامية قبل اجتياح مدنهم.
   وكمثال على ما ذكر، فإلى جانب مدرسة نصيبين التي كانت تدرس اللاهوت بالسريانية، وكانت بمقام أكاديمية للمذهب النسطوري، بلغت بها المقام بأن أحد كهنتها اشترك في مجمع أفسوس عام 431م. كانت توجد فيها معابد للديانة الزردشتية ومدرسة لأبناء الديانة الزردشتية في المدينة، وتوسعت بعد أن دخلت في أملاك الإمبراطورية الساسانية، وحينها انتقل معظم طلاب وكهنة مدرسة نصيبين النسطورية إلى الرها. ففي الكتاب التاريخي القديم لمار ميخائيل السرياني والمكتوب عام (1197م) والذي عثر عليه في الكنيسة الأرثوذكسية في مدينة الرها، الذي يتناول تاريخ السريان في المنطقة أيام الحكم البيزنطي، والمترجم عام 1997م من قبل المطران صليبا شمعون الموصلي، وكذلك في كتاب (تاريخ النساك الشرقيين) ليوحنا الآفسي تم الحديث عن مآثر ونتاجات الكاتب بيوحنا الآمدي (505م-585م) وكان من مدينة آمد والجزء الباقي من كتابه مترجم إلى الإنكليزية، وهو الجزء الثاني من كتابه (الرهبان والرهبنة) ترجم إلى العربية من قبل صلاح عبدالعزيز محجوب في مصر عام 2000م، وللأسف لم يصلنا عنه وعن  كتبه إلا القليل، والمتناول كان عن طريق بعض المدونين لنتاجه، وبلغنا أسماء قليلة من الكهنة النسطوريين لمدرستي نصيبين والرها، وذلك عن طريق كتاب بيوحنا الآمدي وبعض المؤرخين المسيحيين الذين لم تطالهم الغزوات لانتقالهم إلى حضن الإمبراطورية البيزنطية، وبالمقابل ضاعت آثار المدارس الأخرى التابعة للحضارة الساسانية، وبالتالي اندثرت تاريخ كهنتها وكتابها، وآثار حضارة أدبية فلسفية علمية ليس فقط من نصيبين بل من جميع المدن التي كانت بمقام نصيبين ضمن تلك الإمبراطورية. 
  من المهم ملاحظة الخلفية الحضارية التالية، والتوقف عليها ودراستها، وهي أن معظم المقابلات، وحوارات عياض بن غنم، قائد الجيش الإسلامي لجغرافية كردستان الحالية، في المدن التي كان يغزوها، جرت مع كهنة المعابد الزردشتية وقساوسة بعض الكنائس، وعلماء أو مشرفي مدارسها، أي علماؤها، ويتبين أن هؤلاء اللاهوتيين وكهنة المعابد كانوا على خلفية ثقافية فكرية حضارية، وكانوا رجال علم وفكر، وهم كانوا يسيرون مدنهم، والجيوش فيها كانت قليلة، وإن وجدت فكانت للحفظ على الأمن الداخلي، وعليه لم تجري أية معارك مهمة على أطرافها، وهؤلاء العلماء حاولوا بالطرق السلمية الحفاظ على المجتمع والبنية الحضارية الثقافية والعمرانية، مع ذلك لا نعرف أسماءهم، ولا نتاجاتهم، لأن المؤرخين المسلمين يذكرونهم بالقساوسة أو كهنة المعابد، أو المجوس، أو العجم، بعكس أسماء قادة القبائل العربية الذين كانوا تحت أمرة عياض بن غنم، ولربما اختلاف اللغة كان عاملا رئيسا في التعتيم، إلى جانب جهالة الغازي البدوي ونظرته للعلماء وللحضريين وكتبهم مثلما كانت نظرتهم إلى النسخ، وكرههم للأخر بشكل عام. وفي المحصلة لا تزال في حكم الضياع آثار تلك المعابد والمدارس، من الكتب إلى طلابها ومدرسيها.
 والنتيجة هي أنه لم تتمكن شعوب المنطقة ومن بينهم الشعب الكردي، وحتى المستسلمة بدون حروب من الحفاظ على بنيتها الحضارية، دمرت مدارسهم ومكتباتهم، ومع مرور الزمن معابدهم وكنائسهم، تحت مفهوم البديل الإلهي، الإسلام ونصه القرآني، وفقدت إما بتعمد أو ضاعت مع الإهمال آثارهم الثقافية، وما بلغنا هي نتاج أدباء وفلاسفة أعادوا نسخ أجزاء من نتاجهم بعد قرون لاحقة، بيد أبناء المدن ذاتها، والتي أنجبت فيما بعد العشرات من الفقهاء، والعلماء والمؤرخين، والمفكرين، بعد أن فرض عليهم اعتناق الدين الجديد بطرق متعددة، ولا شك هؤلاء أحفاد تلك الحضارة التي طمست، ونبتت ثانية من بين الركام، لكن بدون ظهور حضارة لأن السلطة السياسية العربية الإسلامية لم تكن بمقام تكوينها رغم وجود معظم المقومات، التي كانت لا تزال تحتضنها شعوب المناطق المحتلة. 
 ولتحرير صفحات تاريخ شرقنا من الإشكالية التي أغرقها القبائل العربية الإسلامية الجاهلة بالكوارث، والتي أضاف عليها المؤرخون العروبيون فصول من الفبركة والتزوير، لا بد من إعادة كتابتها، وبيد المؤرخين المسلمين، ولتبيان المصداقية، يتوجب عليهم قبلها الإقرار بالتشوهات المقصودة وبالمفبركات الحديثة، وأنه فعلا القبائل العربية الغازية كانت جاهلة ليس فقط  بالمقومات الحضارية، بل وحتى بالإسلام ذاته، والذي لم يكن قد مرى على اعتناقهم له سوى سنوات قليلة، ومعظمهم ما كانوا قد سمعوا من القرآن إلا بعض السور، فما بالنا بمقومات الدين كله، وجل غايتهم كان الغزو من أجل السبي والنهب، ولهذا لم يكن الأدب والثقافة والعلوم بذات الأهمية عندهم، ولا لدى معظم قادتهم، وحتى عندما التقوا بها لم يعيروها أي اهتمام كما يقول المؤرخ شاكر مصطفى، في كتابه المذكور سابقاً، الصفحة (103) بأنه "... ليس في اللغة العربية من تراث مكتوب تقرأ به تلك الأمور ولا كان في تواريخ الأمم الأخرى وهي مكتوبة بلغات (فارسية ويونانية وسريانية) من القيمة الفكرية والسياسية بالنسبة للعالم الإسلامي، ما يدفع إلى معرفتها والتبحر الواسع فيها. ظلت معرفتها إما قاصرة على أصحابها من السكان الأصليين في مصر والشام والعراق وإيران ومكتوبة بلغاتهم السابقة نفسها وإما ترفاً فكرياً لا يطلبه ويبحث عنه إلا أصحاب التوق العلمي لمجرد استكمال المعرفة"...
يتبع...
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
9/12/2016م

 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

تقييم المقال

المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات