القسم الثقافي  |  القسم العربي  |  القسم الكوردي |  أرسل  مقال  |   راسلنا
 

تقارير خاصة | مقالات| حوارات | اصدارات جديدة | قراءة في كتاب | مسرح |  شعر | نقد أدبي | قصة | رياضة | الفنون الجميلة | الارشيف

 

من يتصفح الآن

يوجد حاليا, 78 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

twitter


البحث



Helbest

 

 
 

نصوص أدبية: آخر نجمة

 
الأحد 27 حزيران 2021


خالد إبراهيم

ابنتي العزيزة يا أخر نجمة تتوسط سماء وجداني وكياني، يا انهيار جبال روحي وعنفواني، يا طفلتي التي تجمع بقايا أجزائي، عندما علمتُ أنكِ مريضة، ارتعدت أوصالي المائة والأربعون، هل تصدقين أنني تمنيت أن تلبسني كتلة من النار الباذخ في خرابه، أن أذوب مثل قطعة من النايلون، أن أتبخر دون أن يراني أحد.
حينها لم أستطع قيادة السيارة، هكذا وأنتِ على المقعد الخلفي من السيارة، كنتُ أسمع دقات قلبكِ، كنتُ أشم رائحتكِ، وكأنكِ تقولين لي أشعل آلة الموسيقى لأخر مرة يا أبي،  هكذا كنا نشعر أنني قبطان سفينة سيبحرُ بين المحيطات والجزر دون عودة.
دائما كنتُ أتمنى بل كانت أخر أمنياتي أن أسمعك تتمتمين ( بابا بابا) الكلمة التي حُرمتُ منها أربع أعوام مضت، كنتُ أحسُّ أن هذه الكلمة ستخرج منكِ مثل عين الحقيقة، كنتُ أشعر حين خروجها من فمكِ الصغير أن أكون أمير هذه البلاد  وأنها ليست كمثيلاتها التي خرجت من أطفالي الأربعة، لا أدري لماذا يا ابنتي.


في تلكَ الليلة من يوم الخميس الواقع في تاريخ 24/6/2021 تغيرت كل الموازين، وأن أشيائي تتساقط تِباعا، أن جسدي يسقط في اللحظة عشرات المرات، حيث أننا نتخذ قراراتٍ ربما من شأنها قتلنا في الليلة آلاف المرات ونحن لا ندري، ثلاث ساعات وأنتِ داخل المشفى وأنا خارجها، تلكَ الممرضة النازية العاهرة، لم تسمح لي بالدخول معكِ، بحجة الكذبة العارمة ( كورونا) بقيت في الخارج، محاولا جمع أجزائي وما تبقى من كياني المتبعثر بين الشوارع والحدائق والكامبات كما ينعتني الغير، هكذا يتم وصفي الآن يا ابتي، أبن الزنا والشوارع والكرخانات، لا يهمني يا فؤادي، لا يهمني كلامهم، وكل أناءٍ بما فيه ينضح، وكل ذاتِ بما فيها تفيض، وكل لسانٍ بما تربى سينطق، لا يهمني إلا أن تكوني بألف خير وسعادة، وأن تكوني بلا داءٍ يرهقني طوال عمري الذي ينهار يوماً بعد يوم، انتظرتكِ ثلاث ساعاتٍ، بل كانت ثلاث أعوام ولم أكن أدري.
قادوني إلى نهاياتٍ مصبوغة بالألم، إلى حتفي المصقول على بابٍ من أبواب جهنم، أنها أخر مقصلةٍ وأخر ما تبقى من كياني
أعلمُ تماماً أنكِ عندما تكبرين ستعلمين ما معنى الوداع، وكم هو فتاك، لذلكَ أن قدر الله مماتي لا تبكي على فراقي عندما تكبرين، لقد تركتُ فيكِ أثري وبصمتي التي لن يمحيها الزمن، أنظري جيداً، أنتِ تشبهين أباكِ، اعتني بنفسكِ جيداً في كل وقتٍ وحين، وكثيراً ما ستلقي عليكِ الحياة بمناكبها وتقذفُ عليكِ شباك الهموم، لا تلجئي ابدا للبشر، لأنهم يستغلون ضعف المرآة عبر الماسنجر والواتس آب، هكذا نحن الرجال يا ابنتي، نتقرب من المرأة عندما نعلم أنها وحيدة، ونشعر أنها تعاني، نقترب منها، وأفضلُ رجل هو ثعبانا أعمى، بل الجئي إلى خالق البشر، واحذركِ من أصدقاء السوء، لا يخدعكِ ما أغراهم، ولا تستوحشي طريق الحق، وأيضاً احذركِ من الأخذ بالمظاهر، فالشكل يجذب المبدأ لحين، وإنما العقلية تحدد الاستمرارية واحذري الجزع من الطريق، ولا تميلي على الناس كل الميل، فتهوي من على حافة الثقة الوهمية.
إياكِ يا ابنتي من التجرؤ على زوجكِ، أو التقصير في حقه، أو اتهامه بالباطل من قبل الشكك أو الغيرة، انتِ لا تعملين مدى ما يلاقيه في العالم المتوحش في الخارج، أن وجدتي زوجكِ على باطل، فعليكِ بحل مشكلاتكما دون أن يتسرب أي سر من أسراركما خارج عتبة المنزل، فالناس تستغل نقطة الضعف هذه، والناس تعير ولا تغير.
قلتها لكِ كل هذا الكلام وأنتِ داخل المشفى، وأنا أمشي  ذهابا وايابا، كانت أمعائكِ تتقطع، وأنا قبلكِ بثلاثة أيام كنتُ في المشفى، أيضاً أعاني من القرحة، وعصب الكولون، وداءٌ أسمه ( أبو صفار) ونقصاً في فيتامين B12 وعليَّ الدخول مرة أخرى إلى المشفى بعد أربع أسابيع إلا أنني لن أفعل.
وبعد ثلاث ساعاتٍ خرجتِ صامتةً، وكأنكِ مذهولة من أمرٍ ما، واتجهتُ نحو السيارة، أقسمُ لكِ لا أدري كيف تجرأتُ على قيادة السيارة، ولا أعلمُ كيف سلكت الطريق، لأن الكثير من الرتوش كانت تتزحلق على البلور الأمامي للسيارة، أوصلتكِ إلى المنزل وأنتِ بلا حراكٍ أو ابتسامة، ولم أسمع ضحكتكِ الأخيرة، والساعة تجاوزت الثالثة صباحاً، اتصلتُ بأحد الأصدقاء ولم يُجب، آه يا أبنتي نسيت أن جميع الأصدقاء لا يدخلونني بيوتهم لأسباب سأكتبها لكِ لاحقاً، كان علي أنام في مكانكِ على المقعد الخلفي في نفس البارك الذي نمتُ فيه منذ أربع أعوام وسط الثلج، ذلكَ البارك الذي شهد أجمل قصة حبٍ لوالدكِ المشرد، لا تحزني يا ابنتي، لقد نمتُ مراراً في ذلكَ البارك، والبرد كان ينخر عظامي، لا تحزني لأن الوقت كان صيفاً وأنني رأيتُ أخر نجمة وأخر نكبة.
عزيزتي، سأتركُ هذه البلاد، وإن بقيت حياً، أتمنى أن أراكِ ولو بعد عشرات الأعوام كياناً يحمل عني عبء انكساراتي  
 

 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

تقييم المقال

المعدل: 2.6
تصويتات: 5


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات