القسم الثقافي  |  القسم العربي  |  القسم الكوردي |  أرسل  مقال  |   راسلنا
 

تقارير خاصة | مقالات| حوارات | اصدارات جديدة | قراءة في كتاب | مسرح |  شعر | نقد أدبي | قصة | رياضة | الفنون الجميلة | الارشيف

 

البحث



Helbest

 

 
 

مقالات: شارع الحرية

 
الخميس 16 تشرين الثاني 2017


جبر الشوفي

أولًا: المقدمة والتعريف بالرواية
 
يبدو إبراهيم اليوسف في روايته (شارع الحرية) مفكرًا، بمقدار ما هو صانع للرواية؛ إذ يتداخل في روايته علم الاجتماع والفلسفة والسياسية، وهذا يعني أنّ قوة تفكيره تكمن في ما يبدعه من شخصيات ذات عوالم عقلية غنية وأصيلة، وفي إعمال خياله وقواه النفسية، ليكشف لنا رؤيته الخاصة ومجمل اهتماماته، وشخصيته الثقافية المتكاملة، عبر تفاصيل حياتية واقعية وأخرى وجدانية، ترسمان ملامح العلاقة بالمكان مغتصبًا من غير أهله، بينما يغدو هو المواطن زائرًا طارئًا، مطلوبًا ومطاردًا في المكان الأكثر حميمية، حيث الأهل أهله وأصدقاؤه وحبيبته التي هي في روحية المكان وفي وجدانه، وعليه أن يجترح المشقات، لكي يلتقيها؛ ذلك أن الموانع والعقبات الأمنية، مضافة إلى موانع ثقافية، ترتبط بالعادات والتقاليد، تقف في وجه حب عميق متجّذر، لم تستطع الأيام أن توهنه أو تنهيه، لذا كانت رواية (شارع الحرية) رواية أرض الحنين واللهفة والاشتياق، بعد أن تحوّل إلى مكان مخيف عبر الملاحقة والتهجير والقتل!



هنا في الرواية، يشكل (شارع الحرية) بؤرة الإنارة المركزية، المفضية إلى الفضاء الروائي كله، ففيه يتقاطع الأشخاص بالحدث، في مكان وزمان ملتبسين بالوضع الأمني والسياسي الذي هيمن على حياة السوريين منذ سنوات، والتي يجسد (شارع الحرية) حالة خاصة ضمنها، بعد أن فرضتها على المنطقة قوة عسكرية أمنية طاغية، اختطفت الهمّ الكردي، لتقيم استبدادها الخاص، وشكلت بما بنته من مؤسسات وهياكل لنظام حكم متكامل، ليس أنضج وأكمل حالة فحسب، بل المعضلة رقم واحد، في معادلة صراع الوجود في الساحة السورية كلها، ولا سيما بعد طرده لتنظيم “الدولة الإسلامية” بدعم أميركي ملتبس، ليحتلّ الصدارة مكانه، فمن هذا الجزء من الجغرافية الوطنية، تتوزع وتتفرع مجموعة من الأحداث والأمكنة المترابطة، مفعمة بحمولة كبيرة من هوى النفس، الذي يجعل عودةَ المواطن من بلد لجوئه في ألمانيا مجازفةً، تحفّ بها الأخطار وتحتاج إلى ثلة من الأصدقاء، ترتب دخوله وحمايته، في فترة إقامته وتنقلاته وعودته ثانية إلى مغتربه، بعد زيارة مكتظة بالمعاني الوطنية الإنسانية والاجتماعية إلى أكثر الأمكنة دفئًا وحميمية، وأشدها ارتباطًا بالكاتب، لأنه الوطن المفقود والهوية المهددة بالاندثار، لذا كان الدخول إلى المكان تحديًا لظروف هذا الاحتلال الداخلي وأجهزته القامعة، عبر التنسيق والتكامل المباشر وغير المباشر مع قوى نظام القهر والجريمة في دمشق، فراحت تلاحق وتعتقل وتهجر وتمارس شتى أنواع المظالم، بحق الأهالي والناشطين السياسيين والمثقفين المخالفين والرافضين للخضوع لسطتها. وهو ينقل الشعور بمرارة الخديعة: “كان في بالي أننا ككرد سوف نشكل قوة من الطيف المتعايش معنا، كي نحمي أنفسنا من القاتل. أوحى النظام إلى غير الكرد بأن الكرد سيؤسسون دولتهم، وسيطردونهم، واتفقوا مع أحد الأطراف الكردية قائلين: أبعدوا شبابكم عن الثورة”.
 
إنها العودة إلى تلك الأمكنة التي خطا على كلّ حبة رمل وتراب فيها، وقد ربط عودته بمهمتين مترابطتين، أخذتا مركز الصدارة والاهتمام، وهما لقاء الحبيبة “بريسكا”، والعودة بالملف الخاص المتضمن بعضًا من ذخيرة كتاباته الأدبية، فكلاهما “الحبيبة والملف” تشكلان بعدًا نفسيًا وهدفًا رمزيًا عميقًا، للتثبت في المكان والانتماء إليه إنسانيًا وثقافيًا، وحيث مهمة الوصول والحصول عليهما هي جوهر المهمة والعقدة الرئيسة للزيارة كلها، إضافة إلى ما تشكله العودة من تعويض عاطفي وجداني، وإرواء لظمأ روحي عميق، بعد طول البعد والحرمان.
 
ثانيًا: الزمان والمكان
 
منطقة حدودية تتداخل أراضيها وأسرها بين تابعيتين سورية وتركية، وتنفتح على مناطق عديدة، أهمها حقل الرميلان النفطي، وهي منطقة تعايش ووفاق بين غالبية كردية وتنوع إثني وديني، فكل ذكريات الكاتب ترتبط بأهله ومواطنيه المتنوعين في آن واحد، وقد غدا المكان الآن موحشًا مخوفًا، تهيمن عليه قوات (الأسايش) والقوى العسكرية والأمنية التابعة لـحزب الاتحاد الديمقراطي، بعد التهجير القسري لمناضليه الأحرار، ورحيل كثيرين من الآشوريين والأرمن واليهود على التوالي في فترات سابقة على الثورة، وهجرة آخرين بعد هيمنة هذه القوة المستبدة، المكملة لاستبداد نظام دمشق، وبالحلول مكان من تجذروا في المكان، وهجروا أو أخضعوا لظلم مزدوج.
 
صحيح أن زمان الكاتب لا يبدأ بالثورة السورية ولا ينتهي عندها، ولكنه الآن في قلب الحدث، الذي تمّ استيراده والهيمنة عليه واختطافه، في غمرة أحداثها، إنه (شارع الحرية)، الذي ينيره الكاتب بشغف ويكشف أسراره ودقائقه، وما غمض منه وما كان مجهولًا، ليتكامل فيه البعد الافتراضي بالبعد الواقعي، ولتقترن المعرفة العلمية (الاستنارة) بالمعرفة المهنية الإبداعية، وكلاهما من ضرورات الإحاطة بالفضاء الروائي كله، وصولًا إلى إدراك عناصر الهوية الثقافية المحلية (القامشلي) في اتصالها وانفصالها مع وعي الحالة الوطنية العامة. وهنا يبرز دور الراوي المتحدث بضمير المتكلم، باعتباره الأكثر معرفة بالدقائق والتفاصيل، منذ أجازه الكاتب في الفصلين الأولين (صياغات الهواء) و(اعترافات راوٍ افتراضي)، ليكون نائبًا عنه ومتكلمًا باسمه، وليحافظ على حياديته عبر الفصل بين الذات والموضوع، مكملًا المشاهدات العينية بالجوانب التخيلية، في مساحة من حرية التعبير والحركة، وعلى الرغم من أنّ المكان الافتراضي، هو نفسه المكان الواقعي، وحتى الانشغالات هي ذاتها بين الكاتب وراويه الافتراضي، لكنّ هذا لا يغير من مشروعية الحكاية، لطالما أنها تأتي ثمرة لهذا التلاقح الخلّاق بين العمل التخييلي والواقع، وفي حالة اندماج بين زمن الرواية والزمان الواقعي، بمناخه الشعبي المميز: “لا. ليس هذيًا، أن تفكر أن لشارع بيتك ذاكرة، بل أنّ له قلبًا، وروحًا، إنه يبادلك الأحاسيس.. الصورة الجديدة في ألبوم الذاكرة لا يمكن لها أن تمحو الصور القديمة (الشارع. أصحاب البيوت، وجوههم، أشجارهم، طفولات من كبروا.. لا تستطيع أي ممحاة أن تزيلها”.
 
لقد أهّل الكاتب كائناته الافتراضية (شخصياته) ببعض ما يلزم للتفاعل والمجابهة بشقيها المتوائم والمتضاد، فإضافة إلى الشخصية الرئيسية إبراهيم المتماهي مع شخصية الكاتب، حملت الحبيبة بريسكا، عبر تناميها المتدرج، قسطًا من البطولة الفعلية والرمزية، بينما ظلّ من سهروا على راحته وحمايته، محجوزين في حيز ضيق، منتظمين في خط السرد المتماشي مع فترة زمنية ذات أبعاد سياسية قلقة حذرة، عبر جدلية الوجود والهوية، والفرد والمجتمع والأنا والآخر، تلك التي انعكست بأشكال من التمزق العاطفي!
 
ثالثًا: اللغة: السرد والحوار والوصف
 
عبر الكاتب بمستويين متكاملين من الصياغة اللغوية، أحدهما تجلى في صياغة خاصة بالعناوين الإبداعية القابلة للتأويل، ولغة السرد الميسرة بنكهتها الشعبية المفصحة، في الحوار والوصف، ففي العنوان الأول (صياغات الهواء) يحدد الكاتب رسالته وأخلاقية الكتابة، ويدونها على شكل حكمة متقدمة موجزة: “لا خير في حبرك إن خلا من حبك”، “ما أحوجك أيتها الجهات إلى عكاكيزك الهوائية..” وكذلك في فلسفة القوقعة. وقد نعثر على بعض الفنتازيا اللغوية المتشربة بالصورة الفنية، كما في قوله: استعرض (الأفكار المنطفئة في ضوء اللوكس)، قبل نصف قرن قرية تل أفندي مسقط رأسه، وأوضة الآغا، وجامع القرية.. (صدى ابتسامة ما عاد يقرؤها في هذه المساحات المختنقة) (المكان على ما هو، الجهات على ما هي، الهواء على ما هو) هذه الأحاجيج سرعان ما تتساقط كما سخام قذيفة تقدم كشف حساب بمساراتها المتعددة!
 
(شارع الحرية) شارع الحبّ والتآخي والغضب والحرية والاستبداد والطموح والخيبة، وفيه تكامل إبراهيم الافتراضي مع إبراهيم الكاتب، فتداخلا تداخل الواقعي بالمتخيل، وراح يستلف كل منهما من الآخر ليغدو الخيال والواقع في بنية افتراصية واحدة، وبحيث لا نستنكر فيه خيالًا، ولا نستهجن واقعًا، فإبراهيم الراوي كإبراهيم الكاتب يزخر بالحميمية والتنوع في الاهتمامات.
 
إنّ (شارع الحرية) “مدينة واحدة في العالم، أتقن السير في شوارعها ولا أضيع هي: قامشلي! حيّ واحد في العالم أعرفه جيدًا، كما أعرفني.. هو الحي الذي فيه شارع بيتي”.
 
 
 
*(شارع الحرية) الكاتب إبراهيم اليوسف. الطبعة الأولى 2017 ألمانيا 208 صفحة.
 
https://geroun.net/archives/101654

 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

تقييم المقال

المعدل: 5
تصويتات: 3


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات