القسم الثقافي  |  القسم العربي  |  القسم الكوردي |  أرسل  مقال  |   راسلنا
 

تقارير خاصة | مقالات| حوارات | اصدارات جديدة | قراءة في كتاب | مسرح |  شعر | نقد أدبي | قصة | رياضة | الفنون الجميلة | الارشيف

 

من يتصفح الآن

يوجد حاليا, 98 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

twitter


البحث



Helbest

 

 
 

قراءة في كتاب: سفر المتعة في ديوان (بعيدا قليلا) للشاعر عبد الهادي روضي

 
الخميس 18 حزيران 2009


 محمد الكلاف

عبد الهادي روضي ... صوت وصورة ، وكلمات تسبح في الفضاء الصحراوي الممتد واللامتناهي ، بلغة ميتافيزيقية ، اتخذ من السريالية منهجا شعريا مشرعا على الدهشة والاندهاش ، في اندماج كلي مع الواقع ، عبر الخيال والتخييل والحلم ، من خلال سبر أغوار اللاوعي ، بحثا عن الوعي الأسمى ...
اتخذ من التناص عدة اقتباسات تراثية وإنسانية ، ينساق وراء الذات بحثا عنها خلف العتمة والمحو والاغتراب ، عبر الاستعارة الحاضرة وبقوة ، بمجازاتها التي تفتح باب التأويل والتحويل على مصراعيه .


رغم أن المخاض كان عسيرا ، إلا أن الولادة كانت عادية ، لتخلق أضمومة شعرية من الروعة بمكان ، حتى وإن كانت "" بعيدا قليلا "" ...لكنها ستكون بالنسبة للقارئ أقرب منه كلما فكر في الهروب إليها من نفسه ، مهما بعدت قليلا أو كثيرا ، لما تحويه من أبعاد دلالية ، يراهن من خلالها على ترسيخ انتمائه وبكل قوة الكلمة إلى عالم القصيدة النثرية الرحبة ...
"" بعيدا قليلا "" ... سفر شعري خارج شعرية المعيار ، باتجاه الذات الشاعرة الفردية ، في امتدادها الجماعي ، على حد قول الشاعر ذاته ...سفر بالكلمة والصورة المتمنعة ، وكذا الصوت في امتداده الوجودي والوجداني ( القرص المدمج ) ...
"" بعيدا قليلا "" ...قصائد يرمي من خلالها إعادة ترميم الوجود داخل الوجدان ، في محاولة للانتصار على المحو المفتعل المفروض ...أن يتفوق لنفسه عن نفسه ، يرسم التصادم الحاصل بين الذات والواقع الذي يبدد تواجد هذه الذات من فرط الفقد ...
قصائد نثرية في مجملها ، كسيمة من سيم التجديد والتحديث الشعري ببلادنا ، معتمدا الوصف والسرد التخييلي أو الانزياح لخلق الإثارة والدهشة والتيه والوحدة ، في محاولة للتوحد وجمع شتاة الروح على امتداد 18 قصيدة التي تتربع على 102 صفحة لديوان صادر عن مطبعة آنفو- برانت ... تزين واجهته لوحة موحية للفنان التشكيلي : محمد سعود...
" استهلال "..لحظة الاستيقاظ لتمجيد المحو مهما كان قاسيا كما الريح الصحراوية.
أيقظني وقال :
لا تشذب الريح
كمن مروا
مجد محوك
وامض كراء شذ
عن هوى القبيلة
             5              قصيدة ( استهلال ) ص :
" تقص " ... استهلها بلغة الخطاب أو السؤال ، بحثا عن حقيقة ما ، حقيقة الحلم الذي يقلق الذات الشاعرة ، عن تفسير لذلك الحلم المشرع على كل التأويلات.
ما الذي             
أقلقك ياولدي      
وقد ألفتك          
مذ كنت صغيرا  
بالحلم متشحا    
كي                
تشرع نوافذك للريح
وتحترف بمفردك
     صهد               
العاصفة           
   قصيدة ( تقص ) ص : 7
في " طفولة الغيم " ...يصور المحو شخصا ماديا ، أو طائرا خرافيا يتخطفه، يتخطف أناه ليأخذه إلى حيث هو ، يتحسس ما تبقى من ذاكرة اليقين في غياهب الحلم والمحو، حيث يتوحد خلف المدى ، يقرأ أبجديات سيرته التي لم تنمحي في الغربة .
           يتخطفني المحو
في اشتداد الجرح إلى سلالة الريح
يأخذني إلي ينخطف من عمق
الفجوة يجاري اشتعالي            
      من فداحة اليقين أتحلل
............................
أعانق محوي  
لاشيء يعيدني      
إلى ثكنات الروح غير سفن المحو
..........................................
في مواسم الغياب             
    خلف المدى برج المحو  
يقرؤني سيرته
قصيدة ( طفولة الغيم ) ص : 9 - 10
قصيدة " كم تضيق حنجرتي "... ابتدأها بالنداء ، وكأنه يستغيث بالأصدقاء لينتشلوه من ضيق مدى المحو ، حتى في شساعة الصحراء الممتدة امتداد الوجد في عز العزلة والمجهول ، حيث يجد أو يحاول إيجاد مبرر لبراءته ليس تملصا ، لكن اقتناعا بأن إرادة القدر أقوى من أي اختيار ... وهذا يتجلى في الصيغة الاستفهامية التي هيمنت في كل القصيدة...
" ما ذنبي " تكررت خمس مرات ، كدليل على أن هناك قدرة أقوى من إرادته ، لكن أسلوب الرفض حاضر ، ليس رفضا للأقدار ، بقدر ما هو رفض للواقع مهما كان مفروضا أو مقدرا ، واقع يتعمد المشي على إيقاعه مهما كان رافضا له :" لم ..و..لن " التي تكررت هي الأخرى في قصيدة " آخر التشكل ...أول المحو " وحدها 16 مرة وتكررت في الديوان 38 مرة كتعبير عن الرفض ...
  لن أتورط فيك إلا بقدر ما أملك       
لن أستدرجك محكوما بطقس الاحتيال
                        ص : - 56
    ياأصدقائي    
   كم حنجرتي تضيق  
كلما أشرعت ريحي قال المحو :
  لن تسعفك الرؤى المدججات
لن تزهر في الكف نبوءة الشعر       
       ستخضر ربى الألم ويورق الحجر
.............................................
ما ذنبي إذا مجدت الانزياح
     وارتضيت بعد النوارس
مديحا للعزلة
ما ذنبي إذا أعدت اكتشاف لغة الوجد في البحر
وأيقظت العصافير أو حرضتها ضد الطبيعة
ما ذنبي إذا تقمصتني الحداثة
  وصرت مفتونا بالإيقاع
من قصيدة :" كم تضيق حنجرتي " ص : 13 – 14
"" هاوية الريح "" ...في هذه القصيدة تتضح أسباب الرفض .
..فالسماء التي تضلل المكان والأرض ذاتها عديمة وقاحلة ، ليست لها أية فتنة أو جاذبية تذكر ، مما جعل الشاعر يتخذ الكتابة الشعرية والنثرية عزاءه الوحيد في غربته ومحوه ...
كأي وجه تعثرت خطاه
   .............................
هذه السماء عدمية لا شكل للأرض
       كل الدروب هنا تخون      
والذين عبروا الظل
 كالغزاة         
...................................
                   كل شيء على ما يرام     
    لا تورث أحزانك لأحد  
لتكن اللغة منفى   
وليكن النثر مداك        
     قصيدة :" هاوية الريح " ص : 19 – 23
قصيدة :" كمن يشيع للريح أحزانه " :...تتميز بلغة صوفية ، تتجلى في فضاءات الخشوع والابتهال والترجي والتأمل ، حيث تنساب الكلمات في سلاسة وتماسك وانسجام،ويتجلى ذلك في عدة كلمات ،مثل : - التعاويذ ..الناسك ... صرت عبد رؤاي  ... أطعنا ...نصلي ... لكن إحدى علامات الاستفهام ( من ) ربما سقطت سهوا عند قوله : " من فينا يملك أسرار المحو ...؟ وقبلها جاءت كلمة  ( إلهين ) و ( مصلوبين ) ليس شركا أو كفرا ، فهو يبرر ذلك بكلمة ( المجاز ) ... بمعنى أن كلمة (إلهين ) يقصد بها : هو وهيلين...
   الريح   
ا- ل – ق -  ا – د -  م - ة
         قبل أن
         تتكحل بالوهم
نحوك استدارت .      
............................
من يفتح صدر الرمل
للخراب        
وحدي أكتب سيزيفيتي
وحدي أصير المحو
...........................
في الخريف الذي ولى
أطعنا هاوية الريح
           ركبنا المحو        
     هانحن نعد جراح المدى
مصلوبين نصلي
                           ص :- 25 – 29 – 30
اتخذ من التناص فنا لاقتناص الشخوص والأمكنة ، فالشخوص تتجلى في اقتباس أسماء : - عائشة – هيلين – محمد – بينيلوب – هيلانة – المسيح .
والأمكنة : - تتجلى في البحث عن الأصل للمسميات : - ( أقاإيغان ) الجماعة القروية بضواحي مدينة طاطا – ( ولت ) الإسم القديم لمدينة طاطا ...( أديس ) و ( تك الريح ) – طروادة – بغداد وبابل ...الراسختان في الذاكرة التاريخية العلمية والأدبية العربية ...
فالشاعر يستحضر بعض الرموز كملاذ وانفلات من محوه واغترابه ..
فجل القصائد تعكس الضياع الذي يعانيه الشاعر ، ومن خلالها يريد استرداد ذاته المفقودة ...فهو لا يبغي من خلالها الخروج عن الواقع أو التعالي عليه ، بقدر ما يريد إعادة النظر في هذا الواقع ومفسداته بجمال الكلمة الروحية ...
فالقصائد تشكل في مجملها وحدات وجدانية يرمي من خلالها إلى إعادة ترميم الوجود ، حتى ينتصر على المحو ، ويتفوق على الذات .
الديوان يزخر بجمالية اللغة التي تكشف حقيقة الذات الشاعرة ، لتحقيق الامتلاء فنيا وإبداعيا ، ما بين "" تقص "" لحقائق الذات منذ أول قصيدة ، ولحظة "" توقيعات على لوح قديم "" بعد اكتمال اللوحة الفنية والشعرية ، آخر قصيدة ، عبر عدة دلالات إيحائية باذخة ، ومعجمية غنية ، وتتجلى في كثافة اللغة ...
لغة القصائد لغة مألوفة حتى وإن كانت عاصفية متفجرة ومتشددة من فرط المعانات ، لكنها غنية ترميزا وكناية ، وفق الحالة النفسية والشعورية للشاعر، ويتجلى ذلك من خلال أنفاسه الحزينة والصارخة
أين أنساغي
أين الأناشيد القديمة
أين الطريق إلي
     أين سحر البداية الأولى
كل الأشياء هنا عديمة ياصديقي
سرقتني الأحلام
سرقوا أحلامي
  من قصيدة " ولت تربي العدم " ص : - 80
لغة شعرية لها قيمتها الجمالية والإبداعية ...لغة حية ذات أبعاد ودلالات متماسكة ومتراصة .
عبد الهادي روضي ...لم يرتكب أي ذنب سوى ذنب الكتابة الشعرية التي استنبط تألقها من رمال الصحراء التي تعكس وميض الشمس لحظة اشتعال وتأجج جذوة الكلمة بين أحضانه ...لتطلع القصيدة براقة لامعة تذهب بالابصار...


محمد الكلاف
طنجة – المغرب
Mohammed_gu@hotmail.fr

 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

تقييم المقال

المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات