القسم الثقافي  |  القسم العربي  |  القسم الكوردي |  أرسل  مقال  |   راسلنا
 

تقارير خاصة | مقالات| حوارات | اصدارات جديدة | قراءة في كتاب | مسرح |  شعر | نقد أدبي | قصة | رياضة | الفنون الجميلة | الارشيف

 

من يتصفح الآن

يوجد حاليا, 111 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

twitter


البحث



Helbest

 

 
 

حسنك وجمالك خطفني

 
الخميس 04 تشرين الاول 2007


عبدالرحمن عفيف

تقولُ العروس:"لا أريد مرحاضا بكيس أبدو خلفه فينظر الأولاد إلى مؤخّرتي الحمراء والجميلة." فيردّ العريس:" نضع كيسين من أكياس القمحِ والشّعير والعدس أمام البابِ وتكون الظّلال قويّة وأنا الوحيد أرى مؤخّرتك في السّرير يا حمرائي". يأخذ السيل والفيضان معه علب جبنة" لاباشكيري" و"البقرة الضّاحكة" وعلب السّردين وقطرميز سكاكرالسوس من دكّان "سنانيك"، يقطف أعشاب الفجل من بقّاليّة " يوسفي كيفو" وأولاد شيخكي يركضون لينقذوا ما يمكن إنقاذه من العنبر الذي فيه العمبر والمخزن ذي البابِ الصّغيرِ إلى اليمين من زبلِ السّوقِ.


لا ينقذون إلاّ صندوقا وحيدا من صناديق صابون الغار الحلبيّ الغالي. ولكن أيضا كرتونا من إبر فتح ثقوب نار البوابير وبعض صفّارات الأولاد وطشتا وحيدا يغسل فيه الأموات. يعلو السيلُ وتصبح له قامةٌ أكبر من قامةِ عواميد الخشبِ التي رُكنت وأسندت رؤوسها إلى بعضها في مجرى نهرالخنزير. يمرّ خالي مدني بالخنزير:" انظروا إلى الخنزير، يقوم الخنزير من نومته الخنزيريّة". يختفي خالي بعدئذ في بيت ابن عمّه الاستاذ عبد البصير. وكرومُ خالة ابنِ عمّي حسن " جنديّا" المتكئة على عكّازها تحاول أن تهرب إلى حضن الخالةِ، وزوجها يفكّر بخبز التنوّر وبالحمارِ في الحوشِ وزوجة عمّي سعديّا تسأل عمّي الشّيخ عفدلباقي:" هل يستطيع الأولاد بعد الفيضان وأثناءه الشّرب من ماء بئرنا؟" فيجيب عمّي:" سأنتقل إلى البوكمال هذه السّنة وتلزمني إبرة موقد الغاز وبطّانيّة جيّدة وجزء من فستانك أو منديلك الأبيض ذو التطريز القرمزي." ثمّ يسكت عمّي ويستمع إلى الفيضان على بعدِ شارع نازل. " أليس من الأفضل أن نهرب بأشيائنا، بقطّنا الأسود وخروفنا الأبيض والتلفزيون الملوّن والنّعجة وكتب محمد نور إلى بيت الشّيخ حليم، ربّما طغا وطغا بنا الفيضان"، شيطان البئرِ وهو ملك ابن عمّي حسن. يعيش في البئر إلى جانبِ سلحفاة صارت كبيرة الرأس، تتحوّل إلى شيطان في النّهار ويتشبّه بسلحفاة وينام في سطوع الشّمس على البئر. أو ربّما ينتقل إلى البئر الأكثر غورا في بيت جارتهم العجوز التي لا تخرج من غرفتها المطلّة على الشّارع ويتكهّن حسن أنّ العجوز غنيّة ولها شيطانها أو هو الشيطان نفسه في البئر الذي يصير سلحفاة يتجوّل في كلّ آبار الحارةِ ويدخل إلى غرف صنع الخبز والتنانير ويدخل في أكياس الطّحين فيصبح لونه أبيض وشاربه يضعه أحيانا على شارب القطّ الأسودِ الذي ينكج القّطة البيضاء على الجدارِ أثناء الفيضان. ثمّ تشرق الشّمسُ قليلا جدّا وتغيب ويبرز حجرٌ مغمورٌ في الفيضانِ، ذلك الحجر الذي صار لحبّي للحياةِ بارقا في رأسي بشدّة. الحجر الذي لم يكن واحدا فقط بل أحجارا انتثرت من ثمار الكرز والخيارِ والفئرانِ على الضفّة التي أكلها الفيضانُ من جنبِ شجرة كرمة خالتنا "جنديّا". نمتُ في يوم الفيضان :" يستمرّ الفيضان يوما آخر" ونمتُ يوما آخر ثمّ شاهدتُ حين ذهبتُ إلى المدرسة زميلي عزيز ابن جورج عزيز، صاحب مكتبة الحريّة. تأتي الجرائد الرسميّة السوريّة إلى المكتبةِ في المساءِ، بدل الصّباحِ؛ ليس لأحد أيّ ذنبٍ ولا للفيضان يد وأنف في الأمر والفيضان لا يشرب العرق. عامودا بعيدةٌ عن دمشق بيومين من السّفر بالقطارِ وأحيانا تصطدم الجرائد الرسميّة السّوريّة بأحد الحمير بالقربِ من الرقّة أو دير الزّور فتتأخّرالجرائدُ أكثر والمعلومات القيّمة والأخبار الشيّقة تصبح قديمة أو عتيقة باللّهجة التي يتكلّم بها مسيحيّو عامودا. ثمّ بعد انتهاء المدرسة أخذت بعزيز إلى ما وراء المدرسةِ إلى اليمين من المدرسةِ، إلى جهة حوض" دودا"، يتسلّق الفيضان إلى حقولِ " آل دربو" ويأكلُ بعضا من حصرمهم ويدخل الماءُ إلى ثقب الأفعى التي تحبّهم وتحبّ أولادهم ودواليب عرباتهم وتحبّ عروسهم الجديدة التي جلبوها في أكياسهم من الجانبِ الآخر من الحدود وكان اسمها" سبحانا"، عيون عروسهم فلقتان من الصّعتر وفمها يغنّي بدل الكلام، هكذا نشرت الدّعايات مع بائعي اليانصيب في أزقّة عامودا الظليلة. وجلس الشّاعر والقصصي "نوح" في بسكليته مطلاّ على مجرى الخنزير والفيضان وفي يده دفتر كتابة النّصوص: "لو كانت لي رجلان حقيقيّتان، لقفزت فوق النّهر إلى ضفّة بيت" دربو" ولخطفتُ " سبحانا" لي وتزوّجتها على المقبرةِ في كيس على المرحاض". ومررت أثناء كتابته ذلك في نصّه الجديد، في كتاب الأحلامِ الذي يستشهد فيه بماركيز في مقدّمة كتاب الأحلام:" الحياة بدون حبّ في الفيضان لا تستحقّ الكتابة". مررت بالمرحاضِِ، ومررتُ بالسّوق أعني بعد ذلك بأيّام ورأيت " سبحانا" في يدها مغزل يدويّ عليه صوف كلبٍ أبيض وأوراق تدوّر الخيوط وعلى الأوراق" سبحان الله، سبحان القدّوس، على المغزل، حسنك وجمالك خطفني". أراد نوح أن يلتقط الفيضان أو نكهته والأساسيّ فيه قبل صديقه "جولان" الذي كان يبحث في هذه الأثناء عن عبارةٍ تليق بمحبوبته من آل " الشّويش". غمغمتُ في نفسي:" تعالَ، عزيز، تعرّف على أحجارِ عامودا، يا زميلي في الصفّ السابع، ولا تذهب اليوم مع قيس إلى البيت مع انتهاء الدّوامِ." فاستمع إليّ عزيز وأطاع حبّي لضفاف نهر الخنزير في ذلك اليومِ، فمضينا إلى تلك النّاحيةِ،حيثُ تعيش" سبحانا" بعد مسافة طويلة من بيت نوح وكان نوح قد التقط العبارة وسجّل قصّة حبّ تشبه أشجار اللّبلاب من كثرة التفاتاتها، هنا وهناك، ناحية بيت" الشّويش" وناحية إحدى قريباته وفقط عكّر عليه الفيضان صديقه بسيكارة رخيصة، دخّنها نوح ورأى الحقيقة بعض الفيضان. أخذ عزيز حقيبته المدرسيّة وفيها كتاب العلومِ الذي يتحدّث عن الغلاصم والحراشفِ، كانت لها رائحة المماحي والبرايات والفولارات والقبّعات وفيها علمٌ سوريّ صغيرٌ على المعدنِ. نظر عزيز إلى حجرٍ أبيض أخرجه الفيضان من رحمِ وادي"دودا" ونظر إليّ بتعمّق ومشى بضعة خطوات أخرى ثمّ اقترب منّي في المشي، فازدات رائحة المماحي والفولارات على أنفاسي وتذكّرت أنّه لم يذهب مع قيس إلى البيت، مع صديقه قيس الذي يجلس معه في مقعد دراسيّ. كان المقعد أوّل المقاعد بالقرب من باب الدّخول إلى الصفّ ثمّ أخذا المقعد في الرتلِ الوسط من الأرتالِ ونقدني وعباراتي حين أعرّف الأشياء والكائنات في درس العلوم، فأقول مثلا:" الزّعانف هي عبارة عن قطع لحميّة على جوانب الأسماكِ". قال عزيز:" أليس كلّ شيء عبارة ما، أنت لا تحتاج أن تكرّر هذه اللّفظة مع كلّ تعريف". نقدني وأستاذ العلومِ:" لا يعير أستاذ العلوم اهتماما لأحد في الصفّ، وكأنّ العلوم لكما فقط." نسيت عزيز ومحمد خير شندي، نسيت أنّني كنت أعرفهما حين مررت بعد أيّام الفيضانِ بالخنزير الذي هدأ " ثعلبي وثعلب بافي سلطو الذي عضّ يد ضياء الدّين وصاراسمه بافي سلطو بعد العضّ". ثمّ استطاع خالي مدني أنْ يأتي إلى أخته، أمّي بدريّة، وقال لي ولأخي:" تنامان إلى وسط النّهارِ، قوما واشتغلا مثل أولا" كمّو" في غربلة الرّمل من النّهر واصطادا مثل أولاد" كرمو" السّلاحف، آخ يا بدريّة، يصنع أولاد " كمّو" منافض من ظهور السّلاحف ويبيع أولاد" كرمو" الرّمل في الأسواقِ".  زيارتي مع عزيز ونومي في الفيضانِ كانت تشدّني أكثر من أقوال خالي مدني ولكنّني أسفت على عواميد الخشبِ التي أخذها الفيضان معه وأحد أصحاب هذه العواميدِ كان فقط بعين واحدة ويده ترتجف ووجهه ضعيف في السّوق،أثناء موسم البطيخ الذي يأتي إلىعامودا على ظهور البيكابات وظهورِ الحمير وظهور النّاس من القرى. من سنجقي وجوهريا ومن معمرلو وكرنكو. يبيع "كولك" وهو في الأساس سمّان، البطيخ الأحمر والأصفر والأخضر والخيار في مواسمها، يكوّمها عاليا أمام دكّانه ويجلس خلفها ويتكلّم بلحيته من خلال أكوامها أو يصلّي إلى جانبها ويراقب إحدى الجنازات التّي تمرّ في السّوقِ. يذهب إلى صلاة العصرِ في المسجد أو الجامع الكبير ويترك لحراستها وبيعها أحد أحفاده، وبدكّانين أبعد هناك دكّان سنانيك، ربّما يلقي عليها نظرة أثناء غياب حجّي كولك في الجامع الكبير. نادى صوفي شاكر لصلاةِ العصرِ بدل محمودو الذي تؤلمه حنجرته ويقال أنّه ربّما لن يستطيع العودة إلى الأذانِ ويتأسّف لصوته ابن عمّي حسن، خاصّة أنّ محمودو جارهم وأقرب وصوته مطواع ومرن، أمّا سيّد شاكر، فإنّه يطارد الأولاد ويزعق فجأة بهم إن اقتربوا من الجامع وصوته مثل المزمار المكسور مع صدأ في ثقوبه وماء بارد متجمّد في الفجر. لا أشتري الجرائد من مكتبة الحريّة، أشتري أحيانا قلما لأبي أو دفترا، فتهبّ رائحة العرقِ اليانسونيّة عليّ. عزيز هو ابن المسيحييّن وكبر فهاجروا إلى دمشق. وقبور المسيحيّين على تلّ" شرمولا"، عاليا يطلّون على مدينة عامودا، بعد أن هجر المسيحيّون الأحياء وموتاهم على التلّ يرون في اليمين بناء مولّد كهرباء عامودا. في اليسارِ آشي علاّوي. وأمامهم تمتدّ الشّوارع المستقيمة من صنع الفرنسيّين لتصل إلى الجامع الكبير. يرقد المسيحيّون، العروس، في عنقهاالرّفيع صليبٌ من الذّهبِ وفي أصابعها خواتم مرصّعة من الياسمين والدفلى، على كتفها زهرة صفراء من زيزفون أشجارِ المقبرة والعريس. حين يستفيقون، يبصرون فيضان عامودا ويبصرونني أنا وعزيز في الصفّ السّابع، أثناء درس الرياضيّات، يبصرون أستاذ الرياضيّات، محمد فتحي. يسيل نهرُ عامودا الجافّ شتاءً، يسيل بنيّ اللّونِ أوّلا، قليلا ثمّ يفيض. تشبع تركيا من الماء الذي يفور على سيقان الأعشابِ ويملأ السدّ والخزّانات، فتتركه إلينا. عادة لا يعلم أصحاب العواميد الخشبيّة أنّ النّهر سيفيض، فيأخذ الخنزير معه الخشب الذي لم يقشط لحائه وبعض الخشب المزال عنه اللّحاء. نشتغل في الصّيف في قشط الورق من على بشرة العواميد التي تستعمل بعدئذ لبناء السقوف. يتزوّج النّاس من بعضهم البعضِ ويبنون بيوتا جديدة، غالبا في أحياء بعيدة حيث لا توجد الكهرباء ولا أسلاكها وطيرٌ أسود يحطّ على الأسلاكِ. طير أسود باسم مع طير آخر وطير آخر، فصارت طيورا وسربا فوصفها صديقي غسّان على أسلاك الهاتفِ وعلى العواميد، باردة تنقل رسائل العشّاق، من طرف إلى طرف ومن بلدٍ وناحيةٍ إلى بلدٍ ومن بيتٍ إلى بيت ثمّ شاهد غسّان زهرة مسكينة قرمزيّة في أسفل أحد العواميد، فأراد أن يهرب. يقيم الفقراء أعراسهم في الأحياء المبنيّة من التّراب بدون ماءٍ ويغنّون أغاني مبهرجة تشبه أباريق الماءِ وتشبه المراحيض، أو لكلماتها شبهٌ بالمراحيض المبنيّة ببضعة بلوكات، دون أن تكون لها أرضيّة وبابها فقط كيس قمح من القنّب وربّما رأى المرء فخذ العروس وهي خلف الكيس تتغوّط في الظهر. ثمّ يتزوّج الفقراء ثانية في البلدة، أحيانا ينتقلون بعد الزّواج إلى قرية، فيها فقط مسجد أزرق صغير وفيها جدار بقرب دكّان المُلاّ الذي يبيع العلكة وله لحيةٌ بيضاء كبيرة مثل مكنسة وذبابتان تحومان فوق خراء أحد أحفاده بالقربِ من الشبّاك. لا يستطيع هذاالمُلاّ أن يشمّ رائحة الخراء وتبقى القريةُ نائمة طوال العامّ وحين تستفيق القرية، يدخل العروسان.

 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

تقييم المقال

المعدل: 1
تصويتات: 1


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات